فهرس الكتاب
إذا الماء الذي في البئر طهور ، الذي في النهر طهور ، الذي في السيل طهور، الذي من العين طهور ، طيب الذي في البحر ، البحر مالح وليس من الذي نزل ، جاءت السُّنة (( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) )، فدل أيضًا على أن مياه البحار طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها ، وأنها آخذة حكم ماء السماء ، فأجتمع التقسيم لكل المياه الأصلية ، مياه الآبار ، مياه العيون ، مياه الأنهار ، مياه السيول ، مياه البحار ، وأنه يحُكم كلها بطهوريتها ، فلو أن شخصًا جاءنا بسطل ماء من بحر قلنا أنه مادام على أصل خلقته طاهر في نفسه مطهر لغيره ، خلافًا طبعًا لعبدالله بن عمرو بن العاص من الصحابة-- رضي الله عنه - وعن أبيه- ، وسعيد ابن المسيب من التابعين الذين كانوا يمنعون من ماء البحر ، ولعلهم مالم يبلغهم النص في حديث أبي هريرة-- رضي الله عنه -- واعتذر لهما ، كان يقال أن من الشبهة أن الله-تعالى- لم يسوى بين الماء العذب { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ } ، ففرق الله بين الماء العذب وبين الماء الأجاج ، وقال: إن هذا التفريق يستلزم أن هذا طهور وهذا غير طهور ، ومن هنا رد الجمهور على هذا بحديث أبي هريرة-- رضي الله عنه -- ، وهذا يدل على صحة التقسيم ، أن الماء ليس كله طهور ، ومن هنا يترجح مذهب الجمهور حينما قالوا: أن الطاهر قسم ثالث في الماء ، بدليل أن الصحابة كانوا يعرفون هذا ، ولذلك أبو هريرة لما جاء الرجل وسأل النبي-- صلى الله عليه وسلم -- وقال: - يا رسول الله - إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء ، إن توضئنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر ؟ فلو كانوا يتوضئون بكل ماء ، ولو كان كل ماء طهور ما سأل الصحابي هذا السؤال ، ولذلك قرر الجمهور بظاهر الآية في قوله: { وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } ، على"أن زيادة المبنى تدل على المعنى"، وأن هذا الباقي على أصل خلقته فيه معنًا زائدًا .