الصفحة 96 من 2918

بعد هذا المرتبة الثانية: مرتبة الكمالات ، وهي أن يحرص طالب العلم على أن يكون بينه وبين الله سر من الأعمال الصالحة ، التي أعظمها وأجلُّها التقرب إلى الله بتوحيده ، فلا تمر عليه لحظة إلا وهو يتفكر ، ولا تمر عليه برهة إلا وهو يتدبر ، حاضر القلب ينظر في ملكوت الرب ، منيبًا إلى الله مخبتًا إلى الله ، لا يكون مع الغافلين ، دائمًا قلبه حي ، دائمًا يقول كنت وضيعًا فرفعني ربي ، وكنت ضعيفًا فقواني ربي ، وكنت مريضًا فشفاني ربي وكنت ، وكنت دائمًا يراقب نعم الله-- عز وجل -- عليه ، ولا ينظر إلى شيء إلا يعتبر ولا يبصر شيء إلا ينيب ويدكر ، يحي قلبه ويكون طالب علم حتى ينال المراتب العلى في علمه ، فإذا وطن طالب العلم نفسه من البدايات بهذه الكمالات انشرح صدره لكل خير ، فيسعى للكمالات فالاثنين والخميس لا يفوته صيامهما ، وصيام البيض من كل شهر لا يفوته صيامها ، وقيام الليل لا يمكن أن يترك قيام الليل مهما كان الأمر ، لأنه سلاحه وعدته ، فيحرص على أن يكون قائم الليل ، حتى أن الإمام أحمد لما بات عنده بعض طلبة العلم وضع له وضوءه ، فلما أصبح-رحمه الله- ووجد الماء لم يتغير تأسف ، وقال: طالب علم لا يقوم الليل ، يعني ندم وسقط من عينه ، لكن تحرص إذا كنت مع الغير وخفت الفتنة تحرص على أنه لا يشعر بصلاحك ، إلا إذا علمت أنك ما تفتن ، وعلمت أنه لا يفتن هو بالغلو فيك وتعظيمك هذا شيء آخر ، ولكن أحرص دائمًا على أن يكون بينك وبين الله سر ، خلواتك تتذكر فيها ذنوبك فتبكي ، فطالب العلم أكثر الناس خلوة مع نفسه تفيض عيناه خشية لربه ، أكثر الناس في خلواته يجلس ويتفكر ، فإذا بكى في سره أبكى الله العيون منه في علانيته ، وإذا خشع في سره أظهر الله زكاة قلبه ونفسه إذا خرج للناس ، وثق ثقة تامة أن الله لا تخفى عليه خافية ، وأن من كان صالحًا في سره أظهر الله في الناس حبه وإكرامه ، وكانوا يقولون: إن الخشية لله تورث الهيبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت