الصفحة 46 من 151

هذا ، فيطلب به رضا اللّه ، ويقدم منه ما ينفعه في الآخرة ، ويأخذ منه ما يصلح به شئون دنياه ، فيجمع بذلك خير الدنيا والآخرة جميعا .. وأن يحسن وينفق في وجوه الخير ، مثل ما أحسن اللّه إليه ، فيلقى إحسان اللّه بالإحسان إلى عباد للّه ، فذلك هو زكاة هذه النعمة ، وألا يتخذ من هذا المال أداة للفساد والإفساد في الأرض ، والإضرار بالناس ، وهضم مالهم من حقوق .. إن اللّه لا يحب المفسدين ..""

وقد استقبل « قارون » هذه الدعوة الحكيمة الرشيدة بالاستخفاف والتحدي ، شأنه في هذا شأن من غطى على بصره ما امتلأ به كيانه من أشر وبطر ، فجعل كل نصح يلقى إليه ، دبر أذنه ، ومن وراء ظهره،فقال: « إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي » . أي قال قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير: أنا لا أحتاج لما تقولون ، فإن اللّه تعالى إنما أعطاني هذا المال ، لعلمه بأني أستحقه ، ولمعرفتي وخبرتي بكيفية جمعه ، فأنا له أهل ، كما قال تعالى: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ، ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا ، قالَ: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ [الزمر 39/ 49] أي على علم من اللّه بي ، وقال سبحانه: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ، لَيَقُولَنَّ: هذا لِي [فصلت 41/ 50] أي هذا أستحقه.

"إنه ينكر أن يكون للّه شىء فيما بين يديه من هذا المال الغمر .. إنه قد توصل إليه بحسن تدبيره ، وجمعه بجهده وكده .."

والعلم الذي أوتيه « قارون » ليس العلم الذي تحصله العقول ، أو تستشفه البصائر ، وإنما هو علم تنضح به الطبائع الخبيثة ، والنفوس المريضة ، من نفاق ، ومداهنة ، وانّجار بالذمم والضمائر ، مما يحسنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت