وقوع الجيم بعدها يقتضي إخفاءها، لان النون الساكنة تخفى مع الاحرف الشجرية، وهي (الجيم - الشين - الضاد) فلما اخفيت حذفت في النطق، فشابه اخفاؤها حالة الاعجام، فحذفها كاتب المصحف في الخط لخفاء النطق بها في اللفظ، أي كما حذفوا نون (إنْ) مع (لا) في نحو (الا تفعلوه) من حيث انها تدغم في اللام، وقرا جمهور القراء باثبات النونين في النطق، فيكون حذف احدى النونين في الخط مجرد تنبيه على اعتبار من اعتبارات الاداء، وقرا ابن عامر وابو بكر عن عاصم بنون واحدة وبتشديد الجيم على اعتبار ادغام النون في الجيم كما تدغم في اللام والراء، وانكر ذلك عليهما ابو حاتم والزجاج، وقالا: هو لحن، ووجه ابو عبيد والفراء وثعلب قراءاتهما بان {نجي} سكنت ياءها، ولم تحرك على لغة من يقول بقيْ ورضيْ، فيسكن الياء، كما في قراءة الحسن {وذروا ما بقيْ من الربا} (16) بتسكين ياء (بقي) ، وعن ابي عبيد والقتبي ان النون الثانية ادغمت في الجيم، ووجه ابن جني متابعا للاخفش الصغير بان اصل هذه القراءة {ننجي} بفتح النون الثانية وتشديد الجيم فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين، فصار {نُجي} ،وعن بعض النحاة تاويل هذه القراءة بان {نُجَّي} فعل مضي مبني للمجهول، وان نائب الفاعل ضمير يعود الى النجاء الماخوذ من الفعل، او الماخوذ من اسم الاشارة في قوله {وكذلك} ، وانتصب {المؤمنين} على المفعول به على راي من يجوِّز انابة المصدر مع وجود المفعول به، كما في قراءة ابي جعفر {ليجزى} بفتح الزاي {قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ} (17) بتقدير، ليجزى الجزاء قوما. وقال الزمخشري في الكشاف:"ان هذا التوجيه بارد التعسف")) (18)
وقد ذكر صاحب مشكل القران في هذه الاية الكريمة اقوال القراء فيها، فقد قرا ابن عامر وابو بكر عن عاصم بنون واحدة وجيم مشددة، وكان يجب ان يفتح الياء، لانه فعل ماض لم يسم فاعله، ويجب ان ترفع {المؤمنين} على هذه القراءة، لانه مفعول لم يسم فاعله، وفعل ماض لم يسم فاعله، ولكن اتى على اضمار المصدر، اقامه مقام الفاعل، وهو بعيد؛ لان المفعول اولى بان يقوم مقام الفاعل، وانما يقوم المصدر مقام الفاعل عند عدم المفعول به، او عند المفعول به، او عند اشتغال المفعول به بحرف الجر، نحو قيم سير بزيد، فاما الياء فاسكنها في موضع الفتح كما يسكنها في موضع الرفع، وهو بعيد ايضا، انما يجوز في الشعر، وقال ابو عبيدة كما في تفسير القرطبي: ان"نجي"ليس هو في هذه القراءة فعل سمي فاعله، وانما ادغم النون الثانية في الجيم" (19) ، وهو قول بعيد ايضا، لان النون لا تدغم في الجيم ادغاما صحيحا، والاخفاء لا يكون معه تشديد، وقال علي بن سليمان: وهو في هذه القراءة فعل سمي فاعله، واصله {ننجي} بنونين وبالتشديد على"تفعّل"لكن حذفت النون الثانية لاجتماع النونين كما حذفت احدى التاءين في {تفرقون} و {تظاهرون} ، وشبهه، واستدل من قال بهذين القولين الاخيرين على قوله بسكون الياء في {ننْجي} فدل سكونها على انه فعل مستقبل وهذا ايضا قول ضعيف، لان المثلين في مثل هذه الاشياء، لا يحذف الثاني استخفافا، (أي لاجل الخفة) الا اذا اتفقت حركة المثلين، نحو {تتفرقون} و {تتعاونون} فان اختلفت حركة المثلين لم يجز حذف الثاني نحو تُتَغافر الذنوب، وتُتَناتج الدواب، والنونان في {ننجي} قد اختلفت حركتهما، فلا يجوز حذف البتة والتاء المحذوفة في {تفرقوا} و {تعاونوا} زائدة فحذفها حسن اذا اتفقت الحركتان (20) ."
قال الامام الطبري (رحمه الله تعالى) : (اختلفت القراء في قراءة قوله: {ننجي المؤمنين} فقرأت ذلك قراءة الامصار سوى عاصم بنونين الثانية منهما ساكنة من انجيناه فنحن ننجيه، وانما قرءوا ذلك كذلك وكتابته في المصاحف بنون واحدة، لانه لو قرئ بنون واحدة وتشديد الجيم بمعنى ما لم يسمّ فاعله، كان {المؤمنون} رفعا وهم(أي: المؤمنين) في المصاحف منصوبون، ولو قرئ بنون واحدة وتخفيف الجيم كان الفعل للمؤمنين وكانوا رفعا، ووجب مع ذلك ان يكون قوله {نجي} مكتوبا بالالف، لانه من ذوات الواو وهو في المصاحف بالياء، فان قال قائل: فكيف كتب ذلك بنون واحدة، فقد علمت ان حكم ذلك اذا قرئ {ننجي} ان يكتب بنونين؟ قيل لان النون الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر عن اللسان حذفت كما فعلوا ذلك بـ"الاّ"فحذفت النون من"انْ"لخفائها اذا كانت مندغمة باللام من"لا"، وقرا ذلك عاصم {نَّجي المؤمنين} بنون واحدة، وتثقيل الجيم، وتسكين الياء، فان يكن عاصم