وجه قراءته ذلك الى قول العرب: ضرب الضرب زيدًا، فكّنى عن المصدر الذي هو النجاء، وجعل الخبر اعني خبر ما لم يسمّ فاعله المؤمنين، كانه اراد وكذلك نجى النجاء المؤمنين، فكنى عن النجاء، فهو وجه، وان كان غيره اصوب، والا فان الذي قرأ من ذلك على ما قرءه لحن، لان المؤمنين اسم على القراءة التي قرأها ما لم يسم فاعله، والعرب ترفع ما كان من الاسماء كذلك، وانما حمل عاصم على هذه القراءة انه وجد المصاحف بنون واحدة وكان في قراءاته اياها على ما عليه قراءة القراء إلحاق بنون اخرى ليست في المصاحف، فظن ان ذلك زيادة ما ليس في المصحف، ولم يعرف لحذفها وجها يصرفه اليه) (21) .
وقال ابو جعفر الطبري ايضًا: (والصواب من القراءة التي لا استجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قراءة الامصار من قراءته بنونين وتخفيف الجيم لاجماع الحجة من القراء عليها وتخطئتها خلافه) (22) .
وانما صحت هذه القراءة، لان القراءة بالنون الواحدة مشكل من الناحية العربية، والقران الكريم نزل بالفصيح، قال تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
والوقف على قوله تعالى {أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} كاف، والوقف التام على قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} (23)
المبحث الرابع //المعنى التفصيلي للدعاء اليونسي.
قوله تعالى: {فنادى في الظلمات}
اختلف العلماء في جمع الظلمات، ما المراد منه؟ فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة"رضي الله عنهم":ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الحوت، وذكر ابن ابي الدنيا حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن ابي اسحاق عن عمرو بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله مسعود في بيت المال، قال: لما ابتلع الحوت يونس"عليه السلام"اهوى به الى قرار الارض فسمع يونس تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث (ظلمة الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر) {أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سبحانك } (24)
وذكر الطبري راي بن عباس"رضي الله عنهما"المتقدم، ورجح في تفسير الظلمات، فقال ان الله اخبر عن يونس انه ناداه في الظلمات ان لا اله الا انت .... ، ولا شك انه قد عنى باحدى الظلمات بطن الحوت وبالاخرى ظلمة البحر، وفي الثالثة اختلاف، وجائز ان تكون تلك الثالثة ظلمة الليل وجائز ان تكون كون الحوت في جوف حوت اخر، ولا دليل على أي من ذلك من أي، فلا قول في ذلك اولى بالحق من التسليم لظاهر التنزيل (25) ، يعني هناك قول اخر لتفسير الظلمات، وهي عبارة عن ظلمة البحر وظلمة حوت التقم الحوت الاول، ويصح ان يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الاول فقط، كما قال تعالى: {في غَيَابَةِ الْجُبِّ} (26) وفي كل جهاته ظلمة، فجمع الظلمات على هذا النحو سائغ (27) ، ومنهم من اعتبر انواعا مختلفة من الظلمات، فان كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت، وان كان في النهاء اضيفت اليه ظلمة امعاء الحوت، او ان حوتا ابتلع الحوت الذي هو في بطنه او لان الحوت اذا عظم غوصه في قعر البحر، كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة، اما قول من قال ان الحوت الذي ابتلعه غاص في الارض فان ثبت ذلك بخبر فلا كلام، وان قيل بذلك لكي يقع نداؤه بالظلمات فما تقدم يغني عن ذلك (28)
قال صاحب الكشاف: (( والخطاب للمؤمنين"في الظلمات"أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى" {ذهب اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} وقوله تعالى" {يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل، وقيل: ابتلع حوته حوت اكبر فحصل في ظلمتي حوتين وظلمة البحر(29 ) )) فرأي الجمهور ان جمع الظلمات اما على حقيقتها وهي ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، وقيل: جمع الظلمات على المجاز، وهذا ما جنح اليه الزمخشري في الكشاف كما تقدم (30) فعلى هذا الراي جعلت الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كانها ظلمات (31) .
وليل تقول الناس في ظلماته ... سواء صحيحات الحوت وعورها (32)
وعلى راي من يقول ان الظلمات مبالغة في الظلمة وشدتها، فالظلمات وردت في القران الكريم مجموعة، لان الظلمات تدل على الظلم والباطل، وان طرق الباطل متشعبة ومتعددة