فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 205

تقبل توبة الزنديق؟ قال أحمد في رواية المروذي في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد: ليست له توبة، إنما التوبة لمن اعترف، فأما من جحد فلا توبة له. وقال في رواية المروذي: وإذا تاب المبتدع يؤجل سنة حتى تصح توبته، واحتج بحديث إبراهيم التيمي أن القوم نازلوه في صبيغ بعد سنة فقال: جالسوه وكونوا منه على حذر.

وقال القاضي أبو الحسين بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها: فظاهر هذه الألفاظ قبول توبته منها بعد الاعتراف والمجانبة لمن كان يقارنه ومضى سنة، ثم ذكر رواية ثانية أنها لا تقبل، واختارها ابن شاقلا واحتج لاختياره بقوله عليه السلام: (من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) [1] ، وروى أبو حفص العكبري بإسناده عن أنس مرفوعًا: (إن الله عز وجل احتجب التوبة عن كل صاحب بدعة.

وقال الشيخ تقي الدين: وهذا القول الجامع للمغفرة لكل ذنب للتائب منه كما دل عليه القرآن والحديث هو الصواب عند جماهير أهل العلم، وإن كان من الناس من استثنى بعض الذنوب، كقول بعضهم: إن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنًا؛ للحديث الإسرائيلي الذي فيه: (فكيف بمن أضللت؟) وهذا غلط، فإن الله تعالى قد بين في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع. انتهى كلامه.

قال ابن عقيل في الإرشاد: الرجل إذا دعا إلى بدعة ثم ندم على ما كان، وقد ضل به خلق كثير، وتفرقوا في البلاد وماتوا؛ فإن توبته صحيحة إذا وجدت الشرائط، ويجوز أن يغفر الله له ويقبل توبته، ويسقط ذنب من ضل به بأن يرحمه ويرحمهم، وبه قال أكثر العلماء خلافًا لبعض أصحاب أحمد، وهو أبو إسحاق بن شاقلا، وهو مذهب الربيع بن نافع وأنها لا تقبل، ثم احتج بحديث الإسرائيلي وغيره، وقال: لا نمنع أن يكون مطالبًا بمظالم الآدميين، ولكن هذا لا يمنع صحة التوبة؛ كالتوبة من السرقة وقتل النفس وغصب الأموال صحيحة مقبولة، والأموال والحقوق للآدمي لا تسقط، ويكون هذا الوعيد راجعًا إلى ذلك، ويكون

(1) مسلم (2/ 704) (1017) ، سنن النسائي (5/ 75) (2554) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت