فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 205

إما بالقول وإما بالفعل، وليكن قدوته في ذلك رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم؛ فقد أوذوا بالقول والفعل، وتأمل في هذا قوله سبحانه: (( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) ) [الذاريات:52] .

ولهذا لما قال الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ) ) [الإنسان:23] ، كان من المتوقع أن يقول الله: فاشكر نعمة الله على تنزيل هذا القرآن، ولكن الله قال له: (( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) ) [الإنسان:24] ، إشارة إلى أن كل من قام بهذا القرآن لابد أن يناله ما يناله من الأمور التي تحتاج إلى صبر عظيم.

فعلى الداعية أن يكون صبورًا، وأن يستمر حتى يفتح الله له، وليس من الضروري أن يفتح الله له في حياته؛ بل إن المهم أن تبقى دعوته بين الناس ناصعة متبوعة، فليس المهم هو الشخص ولكن المهم هو الدعوة، فإذا بقيت دعوته ولو بعد موته، فإنه حي، قال الله عز وجل: (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) ) [الأنعام:122] .

ففي الحقيقة أن حياة الداعية ليس معناها أن تبقى روحه في جسمه فقط؛ بل أن تبقى مقالته حية بين الناس، وانظر إلى قصة أبي سفيان مع هرقل، وكان قد سمع بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا أبا سفيان فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذاته، ونسبه، وما يدعو إليه، وأصحابه، فلما أخبره أبو سفيان عما سأله عنه قال له هرقل له: (إن كان ما تقول حقًا فسيملك ما تحت قدمي هاتين) [1] .

وقد ملك النبي صلى الله عليه وسلم ما تحت قدمي هرقل بدعوته لا بشخصه؛ لأن دعوته أتت على هذه الأرض، واكتسحت الأوثان والشرك وأصحابه، وملكها الخلفاء الراشدون بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ملكوها بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبشريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي عند تفسيره لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:

(1) البخاري (1/ 7) (6/ 2622) (7/ 6771) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت