فهرس الكتاب
(( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ) ) [الكهف:6] :"وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ، والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك فهو خارج عن قدرته."
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله له: (( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) ) [القصص:56] ، وموسى عليه السلام يقول: (( قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ) ) [المائدة:25] الآية، فمن عداهم من باب أولى وأحرى، قال تعالى: (( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) ) [الغاشية:22] ..." [1] ."
الثالثة: الحكمة:
فيدعو إلى الله بالحكمة، وما أَمَرَّ الحكمة على غير ذي الحكمة! فلا بد من الدعوة إلى الله بالحكمة، ثم بالموعظة الحسنة، ثم الجدال بالتي هي أحسن لغير الظالم، ثم الجدل بما ليس أحسن للظالم .. فالمراتب إذن أربع. قال الله تعالى: (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ) [النحل:125] ، وقال تعالى: (( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) ) [العنكبوت:46] .
والحكمة هي: إتقان الأمور وإحكامها، بأن تنزل الأمور منازلها، وتوضع في مواضعها.
يقول الشيخ الدكتور سعيد بن علي القحطاني بعد أن ساق مواقف بعض السلف في الحكمة في الدعوة إلى الله .. قال:"فهذه المواقف الحكيمة في الدفاع عن الكتاب والسنة، وذم الكلام وأهله، والرد عليهم بأسلوب الحكمة، يدل دلالة واضحة على حكمة الشافعي رحمه الله."
ومما يدل على حكمته أيضًا أن الله تفضل عليه وهدى على يديه كثيرًا من أهل الكلام
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (3/ 141 - 142) .