فهرس الكتاب
فتركوا باطلهم، وأقبلوا إلى علم الكتاب والسنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"اهـ [1] ."
لكن ليس من الحكمة أن تتعجل وتريد من الناس أن ينقلبوا من حالهم التي هم عليها إلى الحال التي كان عليها الصحابة بين عشية وضحاها؛ فإن من أراد ذلك فهو سفيه العقل، بعيد عن الحكمة؛ لأن حكمة الله عز وجل تأبى أن يكون هذا الأمر، ويدلك على هذا: أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ينزل عليه الكتاب، نزل عليه الشرع متدرجًا حتى استقر في النفوس وكمل.
فلابد من التأني ومراعاة التدرج في التأثير على المخالف مخالفًا كان أو غيره: وذلك بجذبه إلى الحق شيئًا فشيئًا، ولا يُستعجل في ذلك، خاصة إذا عرفنا أن كثيرًا من أهل البدع قد تلبس بها منذ الصغر، ونشأ في وسط الابتداع، والبيئة تؤثر على هؤلاء، كما قال تعالى: (( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ) ) [النمل:43] .
وفي حديث معاذ، رضي الله عنه، حينما بعثه النبي ص إلى اليمن ما يدل على أهمية التدرج في الدعوة والتغيير والإصلاح، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب .. ) [2] .
ومما يؤيد ذلك ما ذكره الغزالي في كتابه الإحياء بأن المخالف يرى نفسه على الحق، ويرى المنازع له على الباطل، قال:"إذ المبتدع محق عند نفسه، والمحق مبتدع عند المبتدع، وكل يدعي أنه محق وينكر كونه مبتدعًا" [3] .
ويؤيده أيضًا ما ذهب إليه علماء الاجتماع من أن"كل فكر يختلف عن الفكر الآخر، باختلاف المنشأ والعادة والعلم والغاية، وهذا الاختلاف طبيعي في الناس، وما كانوا قط متفقين في مسائل الدين والدنيا، ومن عادة صاحب كل فكر أن يحب تكثير سواد القائلين"
(1) الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى (ص: 288) .
(2) البخاري (2/ 529، 544) (1389، 1425) .
(3) إحياء علوم الدين (2/ 327) .