فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 205

ومما يدل على هذا أيضًا ما قرّره الفقهاء في حالة خروج طائفة من المسلمين بتأويل محتمل، وقامت بتنصيب إمام، وامتنعت عن طاعة إمام العدل أنَّ على الإمام أن يبعث إليهم فيسألهم: ما تنقمون؟ فإن ذكروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة بيّنة دعاهم إلى طاعته، فإن امتنعوا فإنه يدعوهم إلى المناظرة، فإن امتنعوا عن المناظرة أو ناظروا وظهرت الحجة عليهم فأصروا على بغيهم يقاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته [1] .

وهكذا دأب أهل السنة والجماعة على إقامة الحجة على المخالفين من خلال أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ومناظرتهم، ومن أشهر هذه المناظرات، مناظرة عبد العزيز الكناني لبشر المريسي، ذلك أنه لما انتشر في بغداد عاصمة الخلافة العباسية القول بخلق القرآن، وعَظُمَ أمر البدعة فيها، وعلى رأسهم بشر المريسي، تحرك عبد العزيز الكناني من بلاده مكة وتوجه إلى بغداد؛ لمناظرته، وإقامة الحجة عليه.

وقد أورد ابن الوزير رحمه الله هذه المسألة حينما قال:"فإن قيل: هل السكوت عن المبتدعة لازم، خوفًا من التفرق؟"

قلنا: أما بيان بدعهم وكفُّ شرهم على الوجه المشروع فواجب ومستحب، وأما المراء الذي يظن فيه المفسدة دون المصلحة فلا خير منه" [2] ."

2 -الإقرار له بالإسلام.

وهذا إذا كانت المخالفة غير مكفِّرة، وإذا كان المخالف جاهلًا أو متأولًا تأويلًا سائغًا، فقد مضى أن هؤلاء يعذرون ولا يكفرون، ويلزم على هذا الإقرار لهم بالإسلام فهم مسلمون، وإن كانت فيهم بدعة، وهم أقرب إلى المسلمين من الكفار واليهود والنصارى، وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ يقول:"كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد ص فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم، فإن اليهودَ والنصارى كفارٌ"

(1) شرح السنة، للبغوي: 10/ 235.

(2) العواصم والقواصم: (1/ 220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت