فهرس الكتاب
مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي ... وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم" [1] ."
وقد ظهر موقف الشيخ عليه رحمة الله في تعامله مع المخالفين في زمنه، ومن ذلك أن السلطان محمد قلاوون كان مقرِّبًا لشيخ الإسلام ومحبًا له، وفي إحدى السنين خرج السلطان للحج، فأخذ السلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس تلميذ الصوفي نصر المنبجي، وكان نصر هذا معاديًا لشيخ الإسلام، ومن أتباع ابن عربي الصوفي، وسبب العداء أن شيخ الإسلام كان يبين ضلال ابن عربي.
فلما تولى بيبرس سعى بعض علماء المبتدعة لاستصدار فتوى بقتل شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن ما لبث أن عاد السلطان محمد قلاوون، واستعاد الملك من بيبرس، فقرَّب شيخ الإسلام، ثم أخرج له فتوى أولئك بقتله؛ لأنه كان حانقًا عليهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله:"ففهمت مقصوده، وأنَّ عنده حنقًا شديدًا عليهم لمَّا خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حلٍّ من حقي ومن جهتي" [2] .
فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك:"ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا" [3] .
ومثال آخر على تعامل شيخ الإسلام مع المخالفين، ففي مرة اعتدى أهل البدعة على الشيخ فضربوه، ولما علم تلامذته ومحبّوه جاءوا إليه مسرعين، فأرادوا أن يثأروا للشيخ، فمنعهم الشيخ، وقال:"هذا لا يحل. فقالوا: هذا شيء لا نصبر عليه. قال لهم الشيخ: إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله، فإن كان الحق لي فهم في حل منه، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني وتستفتنوني فافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله إنه يأخذ حقه إن شاء كما شاء."
(1) مجموع الفتاوى: 28/ 52 - 57.
(2) البداية والنهاية: 14/ 54 - 55، والعقود الدرية، ص187.
(3) العقود الدرية، ص187.