فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 205

وينبغي لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتًا، كما هجروه حيًا، إذا كان في ذلك كف لأمثاله من المجرمين، فيتركون تشييع جنازته، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على غير واحد من أهل الجرائم، وكما قيل لسمرة بن جندب [1] : إن ابنك مات البارحة، فقال: لو مات لم أصل عليه. يعني: لأنه أعان على من قتل نفسه، فيكون كقاتل نفسه، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على قاتل نفسه. وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم، فإذا أظهر التوبة أظهر له الخير .." [2] ."

وفرق في حال المهجور بين القوي في الدين وبين الضعيف فيه، فإن القوي يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ به الضعيف في الدين، كما في قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم [3] .

وكذلك بالنسبة للأماكن:

"ففرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر بالبصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك" [4] .

وهذا على ما أفتى به الأئمة أحمد وغيره بناءً على هذا الأصل: رعاية المصالح الشرعية.

"ويختلف باختلاف الهاجرين أنفسهم في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم" [5] .

فإذا كانت الغلبة والظهور لأهل السنة كانت مشروعية هجر المخالف قائمة على أصلها، وإن كانت القوة والكثرة للمخالفين -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فلا المخالف ولا غيره يرتدع بالهجر، ولا يحصل المقصود الشرعي؛ لم يشرع الهجر، وكان مسلك التأليف، خشية زيادة الشر.

(1) رواه أحمد في الزهد (1/ 199) .

(2) الفتاوى (28/ 217 - 218) .

(3) انظر: فتح الباري (8/ 123) كتاب المغازي.

(4) الفتاوى (28/ 206 - 207) .

(5) الفتاوى (28/ 206) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت