فهرس الكتاب
"ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين أن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم، لا في الأصول ولا في الفروع" [1] .
والمنفي هنا الإثم مع اجتهاده، لا إقراره على خطئه .. فتنبه رعاك الله!! إذ أن الحكم بالتأثيم لا بد فيه من التثبت والتيقن، بخلاف التنبيه على الخطأ؛ فإنه يكتفى فيه بصدور الخطأ، ولهذا فرق شيخ الإسلام بين مقام التأثيم والجرح ورد الشهادة، وبين مقام تبيين الخطأ والتحذير منه، فقال رحمه الله:
"ما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد به بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحًا شرعيًا، كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية، وغيرهم، في كتبهم الكبار والصغار، صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحًا مفسدًا أنه يجرحه الجارح بما سمعه منه، أو رآه، واستفاض، وما أعلم في هذا نزاعًا بين الناس، فإن المسلمين كلهم يشهدون في وقتنا في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وأمثالهما من أهل العدل والدين بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة، ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف، والمختار بن أبي عبيد، وعمرو بن عبيد، وغيلان القدري، وعبد الله بن سبأ الرافضي، ونحوهم من الظلم والبدعة بما لا يعلمونه إلا بالاستفاضة."
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه مُر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا؛ فقال: وجبت، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًا؛ فقال: وجبت وجبت، قالوا: يا رسول الله! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًا، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض) [2] ، هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته.
وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء شره، فيكتفى بما دون ذلك، كما قال عبد الله بن مسعود: (اعتبروا الناس بأخدانهم) ، وبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته، فإذا كان الرجل مخالطًا في السير لأهل الشر يحذر
(1) الفتاوى (13/ 125) .
(2) البخاري (1/ 460) (2/ 934) (1301، 2499) ، مسلم (2/ 655) (949) .