فهرس الكتاب
في ألقاب الفرق من المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم بأنها ألقاب لمن قام بتلك النحل ما بين مستنبط لها وناصر لها وذاب عنها؛ كلفظ (أهل السنة) ؛ إنما يطلق على ناصريها، وعلى من استنبط على وفقها، والحامين لذمارها.
ويرشح ذلك أن قول الله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ) ) [الأنعام:159] يشعر بإطلاق اللفظ على من جعل ذلك الفعل الذي هو التفريق، وليس إلا المخترع أو من قام مقامه، وكذلك قوله تعالى: (( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ) ) [آل عمران:105] .
وقوله: (( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ ) ) [آل عمران:7] ، فإن اتباع المتشابه مختص بمن انتصب منصب المجتهد لا بغيرهم.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم) [1] ، فأقاموا أنفسهم مقام المستنبط للأحكام الشرعية، المقتدى به فيها؛ بخلاف العوام، فإنهم متبعون لما تقرر عند علمائهم؛ لأنه فرضهم، فليسوا بمتبعين للمتشابه حقيقة، ولا هم متبعون للهوى، وإنما يتبعون ما يقال لهم كائنًا ما كان، فلا يطلق على العوام لفظ أهل الأهواء حتى يخوضوا بأنظارهم فيها، ويحسنوا بنظرهم ويقبحوا.
وعند ذلك يتعين للفظ: (أهل الأهواء، وأهل البدع) ، مدلول واحد، وهو: من انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره، وأما أهل الغفلة عن ذلك، والسالكون سبيل رؤسائهم بمجرد التقليد من غير نظر؛ فلا.
فحقيقة المسألة أنها تحتوي على قسمين: مبتدع ومقتد به.
فالمقتدي به كأنه لم يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء؛ لأنه في حكم المتبع.
والمبتدع هو المخترع، أو المستدل على صحة ذلك الاختراع، وسواءٌ علينا أكان ذلك الاستدلال من قبيل الخاص بالنظر في العلم، أو كان من قبيل الاستدلال العامي؛ فإن الله سبحانه ذم أقوامًا فقال: (( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) )
(1) البخاري (1/ 50) (100) ، مسلم (4/ 2058) (2673) .