فهرس الكتاب
[الزخرف:22] ، فكأنهم استدلوا إلى دليل جملي، وهو الآباء، إذ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا الدين، وليس إلا لأنه صواب، فنحن عليه؛ لأنه لو كان خطأ لما ذهبوا إليه.
وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه بالصلاح، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد، ولا إلى كونه يعمل بعلم أو بجهل.
ولكن مثل هذا يعد استدلالًا في الجملة من حيث جعل عمدة في اتباع الهوى اطراح ما سواه، فمن أخذ به فهو آخذ بالبدعة بدليل مثله، ودخل في مسمى أهل الابتداع، إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر في الحق إن جاءه، ويبحث ويتأنى، ويسأل حتى يتبين له الحق فيتبعه، والباطل فيجتنبه.
ولذلك قال تعالى ردًا على المحتجين بما تقدم: (( قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ) ) [الزخرف:24] ، وفي الآية الأخرى: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) ) [البقرة:170] ، فقال تعالى: (( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ) ) [البقرة:170] ، وفي الآية الأخرى: (( أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) ) [لقمان:21] ، وأمثال ذلك كثير.
وعلامة من هذا شأنه أن يرد خلاف مذهبه بما قدر عليه من شبهة دليل تفصيلي أو إجمالي، ويتعصب لما هو عليه؛ غير ملتفت إلى غيره، وهو عين اتباع الهوى، وإذ ظهر اتباع الهوى؛ فهو المذموم حقًا، وعليه يحصل الإثم، فإن من كان مسترشدًا، مال إلى الحق حيث وجده، ولم يرده، وهو المعتاد في طالب الحق، ولذلك بادر المحققون إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تبين لهم الحق.
فإن لم يجد سوى ما تقدم له من البدعة، ولم يدخل مع المتعاصيين، لكنه عمل بها:
فإن قلنا: إن أهل الفترة معذَّبون على الإطلاق إذا اتبعوا من اخترع منهم؛ فالمتَّبعون للمبتدع إذا لم يجدوا محقًا مؤاخذون أيضًا.