فاجأني في أحد الأيام بدخوله إلى المنزل وقت صلاة المغرب .. وقد امتلأت عيناه بالدمع .. وارتفع صوت نحيبه وبكائه ومعه عدد من أقاربه الرجال !
ما الخطب ؟! كاد أن يُغمى علي من شدة الهلع والخوف !: رجل يبكي ؟! وأمامي ؟! وأقاربه كذلك ؟!
هل أصاب أهله أو أهلي مكروه ؟ يا إلهي قدماي لم تعودا قادرتين على حملي !! أهو أبي ؟ أهي جدتي العجوز ؟ أهي أمه ؟! أرجوك سيسقط قلبي من فرط الخوف !!
لم يتحدث !! مشيت بخطىً قد أثقلتها المخاوف وكبّلتها الشكوك .. دخل إلى المطبخ وقال باكيًا:
ـ بسرعة .. ألبسي ملابس العزاء ، ولتكن سوداء اللون فقط !
اكتملت المخاوف .. رجوته أن يخبرني مَن الذي مات ؟ .. لم ينطق ! لبست الملابس الحالكة السواد كما أمرني كالآلة التي يتحكم بها صاحبها كيفما شاء ! خرجت معه ! وعلى الرغم من ذلك لم أنج من نظرات أقاربه !! قلت لوالدته وأخته بلهفة وأنا ألهث ..
ـ حدثوني أرجوكم من الذي مات ؟ .. ماذا يجري ؟ ما بكم ؟!
أطبق الحزن والصمت على أفواه الجميع .. وآهات الألم تتدفق من الصدور الثكلى ! لزمت الصبر والسكوت حتى كادت نبضات قلبي أن تتجمد !!
توقفنا عند قصر كبير ومترف فعادت نبضات قلبي تنتظم شيئًا شيئًا ! إذًا .. فهو شخص آخر !
دخلت ببطء .. رأيت جموعًا من النساء قد اجتمعن .. يبكين ويضربن على صدورهن !!
أين أنا ؟ ماذا أرى ؟ ما هذا المجتمع الغريب ؟ الكل يبكي وينتحب ؟!
فقدت الصبر .. فسألت إحدى أخوات الزوج بتأثر شديد من هذه المناظر المحزنة المخيفة:
ـ من هو الشخص الذي مات ؟! أشعر بالحزن عليه ..
فقالت وهي تتحاشى النظر إلي وبصوت مرتجف ومرتبك ..
ـ إنه أحد أولياء الله الصالحين المقربين إليه .. وهو أحد المشائخ المصلحين للأقدار في هذا الكون .. وصمتت .. فقلت في نفسي:
ـ ماذا تقصد بكلامها ؟ ولزمت الصمت أنا كذلك ، فتاهت نظراتي بين أفراد هذا العالم الجديد على حياتي !!