فهرس الكتاب
دنيا الوهم والخيال والغطرسة؟.
فهل يستطيع باحث مهما كان اتجاهه أن يُنكر وجود أمثال هذه التيارات الفكرية المنحرفة في أفكار كثير من المعاصرين؟.
وليس من اللازم التسمية بتلك المسميات - عدا الأشعرية - حتى لا تكون موجودة في ساحة الفكر المعاصر. بل الأسس الفكرية والعقائدية لتلك المسميات موجودة فعلًا في أرض الواقع، والعلامة ابن باز رحمه الله تعالى ليس جاهلًا أو ساذجًا حتى يقول ذلك الكلام، بل مقصوده رحمه الله تعالى أن من يعتقد بتلك العقائد وإن اختلف التسمية فهو ضال مبتدع ويوافقه في ذلك جميع العلماء المقتفين آثار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فهو رحمه الله تعالى لا يتكلم بأشياء مثالية بل عن أمور واقعية محسوسة بين ظهراني المسلمين.
ونعود للمعتزلة ونسأل نفس سؤال الورداني: هل فعلًا أن المعتزلة فرقة اندثرت وليس لها امتداد فكري في عقول بعض المعاصرين؟. وهل فعلًا إن الكلام عن المعتزلة والفرق الأخرى لا جدوى من طرحه ومناقشته باعتبار أن ذلك ماضيًا وليس له حضور في الواقع؟ وما الجدوى من مناقشة أفكارهم لا سيما وإنهم في خبر كان؟ وغير ذلك من الأسئلة التي يطرحها الجهلة أمثال الورداني.
الواقع يُثبت أن تلك الفرق لها وجود فكري بل مؤسسات رسمية تدعمها وتحاول نشرها وفرضها على الناس، فالأشعري مثلًا تهتم بها كثير من الجامعات في الدول العربية والإسلامية وتُدرّسها وتعمل على نشرها وتُضلّل من لم يأخذ بها. وكذلك المعتزلة يُطبّل لها كثير من الكُتاب المعاصرين وينادي بها تارة باسم الحرية وتارة باسم التجديد، ووجود الرافضة أكبر دليل على الوجود الاعتزالي، حيث إن الكثير من الأسس عند الرافضة إنما هي انعكاس للتأثر الرافضي بالمعتزلة، ولا أظن أن الورداني يُدرك هذه الحقيقة، والورداني نفسه يعتقد بأفكار المعتزلة أثناء تقلباته الفكرية قبل ارتداده واعتناق دين الرافضة.
وفي هذا المبحث نعرض ملامح من الأفكار الاعتزالية لدى بعض الكتّاب المعاصرين [1] لنرى هل يقتنع الورداني بوجود المعتزلة أم أن ذلك من أوهام علماء الكتاب والسنة.
وللمعتزلة - أو بالأصح فكر الاعتزال - شأن في عصرنا الحديث، ولو ذلك الشأن ما اجتهدنا في التعريف بهذه الفرقة وأفكارها ومبادئها ولاعتبرناها من الفرق التي اندثرت في التاريخ، ذلك أن فضح مباحثها من خلال فكر الشيعة الرافضة أو تزييف مناهجها من خلال مناهج
(1) نقلًا عن كتاب"المعتزلة بين القديم والحديث"ص125 - 140 للأستاذين: محمد العبدة وطارق عبد الحليم بتصرف يسير جدًا.