فهرس الكتاب
"التحرر"و"العقلانية"وأمثالها إلى الوطن الإسلامي نتيجة الاختلاط بين الشرق والغرب في مطلع القرن الماضي عن طريق البعثات التعليمية وغيرها، فتأثر تلامذة البعثات بما وجدوه في أوربا ونقلوا ذلك في كتبهم - بقصد أو بدون قصد - كرفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، إلى أن جاء دور جمال الدين الأسد آبادي - المعروف بالأفغاني - وهو إيراني المولد والمنشأ تربى في أحضان الرافضة [1] وقد قام بالعديد من الأعمال التي كان لها أسوأ الأثر في العالم الإسلامي رغم ما يحلو للبعض من المسلمين"الطيبين"أن يدعوه باسم"باعث الشرق"! وباعث الشرق هذا كان مؤسسًا ورئيسًا لأكبر محفل ماسوني في الشرق، وترقى في درجات الماسونية إلى أعلى المراتب.
ولا مجال للإطالة في الحديث عن جمال الدين هذا إلا بمقدار ما ينبغي أن نعرفه كأستاذ لمحمد عبده صاحب المدرسة العقلية الاعتزالية - التي اصطلح على تسميتها بالمدرسة الإصلاحية! - والتي ظهرت أوائل هذا القرن في مصر وخرج من عباءتها كثير من الكتّاب الذين اتهموا بالدَّخَل في دينهم من بعد مثل طه حسين، الذي وضع كتاب الشعر الجاهلي فحشاه بالكفر البواح وحوكم بسببه في مصر وعزل من منصبه بالجامعة.
ثم تتابعت الكتابات الهدامة المستترة تحت ستار الاعتزال والتحرر والعقلانية تنخر في جسد الأمة المسلمة بعد أن سقطت الخلافة - التي كانت آخر درع يُتقى به كيد المفسدين - فظهرت كتابات طه حسين عن الشعر الجاهلي ثم عن مستقبل الثقافة في مصر وضرورة نبذ"التقاليد الشرقية"جملة وتفصيلًا. كذلك كتابات قاسم أمين عن"تحرير المرأة"، وقد تمحك هؤلاء بلفظ الحرية ودعوى العقلانية والتقدم، وامتدحوا الاعتزال والمعتزلة واعتبروهم الأجدر بالاتباع في"تراثنا الإسلامي"!.
تساءل أحمد أمين في كتابه"ضحى الإسلام":"والآن يحق لنا أن نتساءل: هل في مصلحة المسلمين موت الاعتزال وانتصار المحدثين"؟ [2] ثم أعلن أنه ليس في صالحهم القضاء على الاعتزال، بل كان من الواجب على المعتزلة والمحدثين أن يستمر كحزبين أحدهما تقدّمي والآخر محافظ! ليستفيد المسلمون من كليهما! [3] وما أبعد هذا الفكر عن الفهم الإسلامي المستوحى من أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم التي تقرر أن هناك طائفة واحدة منصورة ظاهرة على الحق
(1) راجع: الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين، ودعوة جمال الدين الأفغاني في الميزان، مصطفى فوزي غزال ص380.
(2) ضحى الإسلام 3/ 202.
(3) المصدر السابق 3/ 203.