فهرس الكتاب
وأنها وحدها الناجية دون سائر الفرق الاثنتين والسبعين.
ويعلن أحمد أمين في صراحة:"في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة" [1] .
ولم يكن هذا الرأي الذي عبّر عنه أحمد أمين، بشأن دور الاعتزال، وأهميته وضرورة تبني المسلمين له في طرق البحث ومنهاجه، رأيًا ارتآه وحده بل عرف عند كثير غيره من الكتّاب الذين لمعت أسماؤهم في هذه الحقبة الأخيرة من الزمان.
فهذا كاتب آخر هو زكي نجيب محمود - الذي تبنى الوضعية المنطقية [2] كنظرية يدين بها - يزعم أنه إن كان لنا أن نحيي جزءًا من تراثنا الإسلامي فليكن هو الاعتزال، يقول في"تجديد الفكر العربي": يبدو لكاتب هذه الصفحات أن أهم جماعة يمكن لعصرنا أن يرثها في وجهة نظرها .. أعني أن يرثها في طريقته ومنهاجها عند النظر إلى الأمور هي جماعة المعتزلة التي جعلت العقل مبدأها الأساسي كلما أشكل الأمر" [3] ."
ويؤكد ذلك بعد صفحات فيقول:"فما زلت أرى أنه لو أراد أبناء عصرنا أن يجدوا عند الأقدمين خيطًا فكريًا ليتمسكوا بطرفه فيكونوا على صلة موصولة بشيء من تراثهم، فذلك هو الوقفة المعتزلية من المشكلات القائمة" [4] .
وهذا المسكين قد وقع في خطأ كان لابد له من الوقوع فيه نظرًا لانشغاله طوال حياته بالفكر الغربي دراسة وتحليلًا وتسلية كما عبّر بنفسه في مقدمة كتابه المذكور إلا سنوات قليلة أخذ"يعب فيها التراث عبًّا"على عجل بنظر المستشرقين لا بنظر المؤمن، هذا الخطأ هو اعتقاد أن أهل السنة والجماعة كانوا يقفون بالمرصاد لمحاولات إعمال العقل في مجال الطبيعة والحياة بحرية وانطلاق، وهو أمر ما كان في يوم من الأيام، وإنما يشهد التاريخ أن الصراع بين أهل السنة وبين غيرهم من الفرق الضالة كان بسبب إدخال العقل في مجال الغيب أولًا، ومحاولة تحكيمه في نصوص الشارع الثابتة
(1) المصدر السابق 3/ 207.
(2) وفحواها إنكار عالم الغيب في صورة مستترة هي ادعاء أنه ليس لنا شأن بما لا يخضع لتجاربنا ويمكننا تحسسه، فالألفاظ التي لا يوجد لها رصيد في الواقع المحسوس المجرب لا تعني شيئًا، ويجب أن ينصب جهد الناس على ما في إمكانهم تحقيقه والتحقق منه، أما عالم الغيب فهو دائرة الإحساس والمشاعر لا غير، وهي صورة معدلة خبيثة لإنكار الغيب بالكلية دون التصريح بذلك، مراعاة للوسط الذي يعيشه الكاتب، ولاستدراج من ينفرون من دعوى الإلحاد المباشرة.
(3) تجديد الفكر العربي ص117.
(4) المصدر السابق 123.