فهرس الكتاب
التي توجه الحياة البشرية بكليات وقواعد قد رضيها الله سبحانه لخلقه - وهو أعلم بهم -، ثانيًا، أما في مجال العلوم الطبيعية والتجريبية فعلى أمثال هؤلاء المفسدين إبراز دليل واحد يستدلون به على وقوف أهل السنة والجماعة في وجه تلك العلوم أو عدم إعمال العقل فيها، وحتى مهاجمة أهل السنة للفلاسفة إنما كانت في الجانب الميتافيزيقي الذي خاضوا فيه غمار العلوم الإلهية بعقولهم القاصرة فخرجوا إلى الكفر البواح كما فعل ابن سينا والفارابي، بينما لم ينكر أحد على ابن سينا وضعه لكتاب"القانون"في الطب مثلًا، وإنما ادعاءات هؤلاء كلها محض باطل وتجن وهوى، ولما كان الإسلام يعالج في مبادئه وأساسياته قواعد اجتماعية وتشريعات دولية وسياسية واقتصادية تصادمت في كثير منها مع تلك الاتجاهات الهدامة، كان لهم ي المواقف الاعتزالية التي قدمت العقل فيما لا يمكن الحكم فيه خير سند في دعواهم للقضاء على الشريعة الإسلامية والنهج الرباني.
وقد تناثرت تلك الدعاوي عن المعتزلة في العديد من أعمال بعض الباحثين والمحدثين، كما ذكرنا، فمدحوا الاعتزال وتابعوا المستشرقين ونقلوا عنهم ما أوردوه في تحسينه وتزيينه.
يقول عرفان عبد الحميد في كتابه"دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية"تحت عنوان أهمية المعتزلة في الفكر الإسلامي:"المعتزلة أول مدرسة كلامية ظهرت في الإسلام وكان لها دور كبير في تطور الفكر الديني والفلسفي فيه، فهي التي أوجدت الأصول العقلية للعقيدة الإسلامية!! وجعلت للنزعة العقلية في الفكر الإسلامي مكانة مرموقة، ورفعت من شأن العقل وأحكامه وقدرته في الوصول إلى الحقيقة" [1] ، ولا نحتاج إلى التعليق، حيث سبق أن بيّنّا موقف أهل السنة من"العقل"ومجالاته، وبيّنّا المجال الذي عملت فيه النزعة العقلية في الإلهيات فأنتجت ذلك الضلال والانحراف. ولكن أنّى لمثل هذا الباحث أن يتفهم موقف الإسلام في مثل تلك الأمور وهو ينقل عن المستشرقين نص كلامهم مرتئيًا له وموافقًا عليه، فيقول:"المعتزلة تمثل أول محاولة في الفكر الإسلامية تعرضت لمسألة الصلة بين الحقائق الدينية وأحكام العقل وذلك (بقوة فكرية عجيبة وثبات عظيم وحاول حلّها بطريقة مبتكرة) "وما بين القوسين منقول عن سوزانا فلزر في مقدمة كتاب المعتزلة وواضح تبنيه لهذا الرأي الاستشراقي! فالله الله في المسلمين وعقائدهم أيها الباحثون المجددون.
ولو ذهبنا نتتبع هذا التيار الذي انتشر في الكتابات الحديثة لطال الحديث ولكننا نكتفي بما ذكرنا ليكون دليلًا وشاهدًا على صحة ما ذهبنا إليه من محاولة الفكر الاعتزالي العودة إلى السطح
(1) دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية 125.