الصفحة 88 من 112

المدرسة الإصلاحية الحديثة:

يمكن للباحث من خلال كتابات عديدة من الكُتّاب، في بضع العقود الماضية، أن يتلمس آثار مدرسة فكرية مميزة ينتمي إليها فكر هؤلاء الكتّاب وآراؤهم، يُستدل عليها بوحدة الآراء، وتقارب المفاهيم، وتُميز بتشابه الموضوعات، وتلاقي المقاصد والغايات. هذه المدرسة - التي لم تتخذ صبغة رسمية - تفجأ القارئ المسلم بتلك الدعاوي والآراء، التي هي امتداد لما عرف بالمدرسة الإصلاحية وزعماؤها: السير أحمد خان الهندي وجمال الدين الأسد آبادي ومن بعده الشيخ محمد عبده، في نهاية القرن الماضي، وهي كذلك إحياء للمنهج الاعتزالي في تناول الشريعة، وتحكيم العقل فيما لا يحتكم فيه إليه.

ويمكن تحديد ما تجتمع عليه آراء تلك المدرسة في كلمة واحدة هي"التطوير"أو العصرانية كما تترجم عن الإنجليزية Modernism وما تعنيه من تناول أصول الشريعة وفروعها بالتعديل والتغيير، تبعًا للمناهج العقلية التي اصطنعها الغرب حديثًا، أو ما تُمليه عقليات أرباب ذلك المذهب، التي تتلمذت لتلك المناهج .. ولا يسلم من هذا التطوير أمر من أمور الشريعة كأصول الفقه والحديث أو التفسير أو مسائل الفقه كالحجاب والطلاق أو تعدد الزوجات، والحدود أو الطامة التي عرفت بالتقارب بين الأديان.

على رأس تلك المدرسة السير أحمد خان الهندي، الذي منح لقب"سير"من قبل السلطات البريطانية تكريمًا له، والذي يرى أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد الذي يجب أن نستقي منه أحكام الشريعة، والأحاديث لا يُعتدّ بها في هذا الشأن لتأخر تدوينها، ولأن أكثريتها أحاديث آحاد لا تفيد يقينًا، كما يحل الربا البسيط في التجارة والمعاملات، ويرفض عقوبة الرجم والحرابة، وينفي شرعية الجهاد لنشر الدين.

ويُحل سيد أمير علي - تلميذ أحمد خان - زواج المسلمة من كتابي، والاختلاط بين الرجل والمرأة، كذلك يرى محمد أسد [1] أن الله سبحانه لا يُصف إلا بالصفات السلبية (أي ليس كذا وكذا .. ) تمامًا كما قالت المعتزلة [2] ، وينحو منحى محمد عبده في إنكار المعجزات المادية، كتفسير إهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل!.

ومن المعاصرين الأحياء، ينادي د. محمد فتحي عثمان بتطوير العقيدة والشريعة معًا في كتابه عن الفكر الإسلامي والتطور، ويزيد الدكتور حسن الترابي خطوة فيدعو إلى تجديد أصول الفقه

(1) هو المستشرق النمساوي الأصل (ليوبولد فايس) أسلم عام 1926 إثر عمله في السعودية لفترة طويلة.

(2) عن مفهوم تجديد الدين، بسطامي محمد سعيد ص151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت