فهي خاسرة سواء غنموا أو لم يغنموا في معارك الأرض. وأين الدنيا من الآخرة ? وأين غنيمة المال من فضل الله ? وهو يحتوي المال - فيما يحتويه - ويحتوي سواه ?!
إن الذي يذهب للعراق اليوم قد استجاب لنداء رب العالمين القائل:
{وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (75) سورة النساء
وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله ; واستنفاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ? هؤلاء الذين ترتسم صورهم في مشهد مثير لحمية المسلم , وكرامة المؤمن , ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق ?
هؤلاء الذين يعانون أشد المحنة والفتنة ; لأنهم يعانون المحنة في عقيدتهم , والفتنة في دينهم. والمحنة في العقيدة أشد من المحنة في المال والأرض والنفس والعرض , لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني , الذي تتبعه كرامة النفس والعرض , وحق المال والأرض!
ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف , مشهد مؤثر مثير. لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا - وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة - وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد. وهو وحده يكفي. لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات. . وهو أسلوب عميق الوقع , بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس.
ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن: إن (هذه القرية الظالم أهلها) التي يعدها الإسلام - في موضعها ذاك - دار حرب , يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها , هي"مكة"وطن المهاجرين , الذين يدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها. ويدعو المسلمون المستضعفين هذه الدعوة الحادة للخروج منه!
إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظر الإسلام - حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه ; وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم , وعذبوا في عقيدتهم. .
بل اعتبرت بالنسبة لهم هم أنفسهم"دار حرب". .
دار حرب , هم لا يدافعون عنها , وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوتهم المسلمين منها. . إن راية المسلم التي يحامي عنها هي عقيدته. ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه ; وأرضه التي يدفع عنها هي دار الإسلام التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجا للحياة. . وكل تصور آخر للوطن هو تصور غير إسلامي , تنضح به الجاهليات , ولا يعرفه الإسلام.
هؤلاء الذين يذهبون إلى العراق للدفاع عن حرماته هم أصحاب التجارة التي لن تبور
قال تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن , ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب , وبشر المؤمنين) سورة الصف
وصيغة التعبير بما فيها من فصل ووصل , واستفهام وجواب , وتقديم وتأخير , صيغة ظاهر فيها القصد إلى إقرار هذا الهتاف في القلوب بكل وسائل التأثير التعبيرية.
يبدأ بالنداء باسم الإيمان: يا أيها الذين آمنوا. .