فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون الترابَ على متونهم، وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإسلام ما بقينا أبدًا
قال: يقول النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ـ وهو يجيبهم ـ:
(اللهم إنه لا خيرَ إلا خيرُ الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة)
قال: يُؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سَنِخَةٍ، توضع بين يدي القوم، والقومُ جياع، وهي بشعةٌ في الحلق، ولها ريحٌ منتن. متفق عليه، واللفظ للبخاري [1] .
لقد شملتهم العناية الإلهية مرة أخرى، وإلا كيف يكفي هذا العدد الكبير كفٌّ من شعير، يؤدّم بدهن قديم، ولا يستساغ أكله، حيث ينشب في الحلق، مع وجود الريح النتنة لقدم الدهن.
سادسًا: حفنة من تمر بنت رواحة يكفي القوم
ومن ذلك أيضا عندما أرسلت عمرة بنت رواحة إلى زوجها بشير بن سعد وأخيها عبدِ الله بنِ رواحة رضي الله تعالى عنهم بكفِّ تمر مع ابنتها بنت بَشير ـ طفلة صغيرة ـ فبينا هي تبحث عنهما، رآها النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فدعاها، وسألها ما معها؟ فأخبرته الخبر
فعن سعيد بن مينا، عن ابنة بشير بن سعد ـ أخت النعمان بن بشير ـ قالت: دعتني أمي عمرةُ بنتُ رواحة، فأعطتني حفنةً من تمرٍ في ثوبي، ثم قالت: أي بُنَيَّة، اذهبي إلى أبيك وخالِك عبد الله بن رواحة بغدائهما.
(1) صحيح البخاري: في الكتاب والباب السابقين. وصحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير: باب غزوة الأحزاب، رقم (129 ـ 131) .