قالت: فأخذتها، فانطلقتُ بها، فمررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا ألتمس أبي وخالي. فقال: (تعالي يا بنيَّة، ما هذا معك؟) قالت: فقلت: يا رسول الله، هذا تمرٌ، بعثتني به أمي إلى أبي ـ بشير بن سعد ـ وخالي ـ عبدِ الله بن رواحة ـ يتغديانه. فقال: (هاتيه) قالت: فصببتُه في كفّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبُسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: (اصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء) .
فاجتمع أهلُ الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهلُ الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب. رواه ابن إسحاق وأبو نُعَيْم والبيهقي بإسناد صحيح [1] .
تمر لا يملأ الكفين كفى أهل الخندق كلهم! نعم هو فضل الله تعالى ورحمته.
سابعًا: خبر الذراع
ومن الدلائل التي ظهرت يوم الخندق: طلبه - صلى الله عليه وسلم - من مولاه أبي رافع رضي الله تعالى عنه أن يناوله الذراعَ من الشاة المصلية، ثم تكرر طلبُه - صلى الله عليه وسلم -، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه لو سكت لأعطاه أذرعة ما طلبها.
فعن سلمى ـ امرأة أبي رافع رضي الله تعالى عنهما ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أبي رافع بشاة، وذلك يوم الخندق فيما أعلم، فصَلَاها أبو رافع، وجعلها في مكتل، ثم انطلق بها ـ فلقيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - راجعًا من الخندق، فقال: (يا أبا رافع، ناولني الذراع) فناولتُه. ثم قال: (يا أبا رافع، ناولني الذراعَ) فناولته،
(1) سيرة ابن هشام (3: 260) ودلائل النبوة لأبي نعيم (2: 639 ـ 640) ودلائل النبوة للبيهقي (3: 427) وأسد الغابة (6: 414) .