الصفحة 10 من 15

ثانيًا: أنه يورث صاحبه الزهد في الدنيا وقصر الأمل، فلا تتعلق نفسه بها، ولا يتشبث بُحطامها، وإنما يكون زاهدًا فيها؛ لأنه يعلم أنها ليست موطنًا له، ولأنه يعلم أنها دار ابتلاء، وأنه فيها كالمسافر يحتاج إلى مثل زاد الراكب، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: [قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ] فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ: [نَعَمْ] قَالَ: بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ] قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: [فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا] فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ) (46) .

وهذا المثال يبين أثر اليقين في سلوك العبد، حيث يزهده فيما في أيدي الخلق مهما غلا ثمنه.

وهذا الصحابي الجليل حرام بن ملحان رضي الله عنه حين طعن في ظهره غدرًا يوم حادثة بئر معونة فما كان منه إلا أن هتف قائلًا"فزت ورب الكعبة" (47) .

فأي مدى من اليقين بالله بلغه هذا الرجل جعله ينسى ألمه وجرحه ولا يتذكر في تلك اللحظة سوى النعيم الذي وعده الله لمن يفوز بالشهادة في سبيله؟

ثالثًا: الانتفاع بالآيات والبراهين، فالله عز وجل يقول: (وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (48) وذكر"الآيات"بلفظ الجمع لأن الموقن لا يغفل عن الله تعالى في حال ويرى في كل شيء آيات دالة، وأما الغافل فلا يتنبه إلا بأمور كثيرة فيكون الكل له كالآية الواحدة، لذلك قال تعالى في حق غير الموقنين: (وآية لهم الأرض ... ) (49) .

وإننا نشاهد الإنسان الذي عنده يقين راسخ إذا مر بآية من الآيات الكونية أو الأرضية، كأن شاهد مكانًا للمعذبين؛ فإنه يرق قلبه، وتتمالكه مشاعر كثيرة، ولربما دمعت عينه وبكى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت