الصفحة 8 من 15

فموسى عليه السلام أخبره الله عز وجل - وهو أصدق القائلين- أن قومه قد عبدوا العجل فما ألقى الألواح، فلما قدم ورأى قومه يعبدون العجل بعينه؛ ألقى الألواح، وغضب، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ) (39) .

وهذه المرتبة: مرتبة عين اليقين هي التي سألها إبراهيم صلى الله عليه وسلم ربه فقال: ( ... رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ... ) (40) .

فإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان كامل الإيمان واليقين، ولكنه أراد أن ينتقل من مرتبة إلى أخرى أعلى منها، أراد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فيرى ذلك بأم عينه، كأنه قال: أنا مصدق ولكن للعيان لطيف معنى، وخطاب إبراهيم المباشر (رب أرني كيف .. ) يؤكد بأن السؤال وقع لمعرفة الكيفية ـ كيفية الإحياء ـ لينضم إلى المعرفة الإيمانية المجردة المعرفة اليقينية المشاهدة.

وأما المرتبة الثالثة فهي: مرتبة حق اليقين: وهي مباشرة الشيء بالإحساس فعلًا، وذلك حين يكون أهل الجنة في وسطها، فهم في هذا الحال قد بلغوا مرتبة حق اليقين.

قال الفيروزآبادي:

"والفَرْقُ بين عِلْم اليَقِين وعَيْن اليقين كالفَرْقِ بين الخَبَر الصادِق والعَيان، وحَقُّ اليَقين فَوْقَ هذا. وقد مُثِّلَت المراتب الثلاثة بمن أَخبرك أَنَّ عنده عَسَلًا وأَنت لا تَشُكَّ في صِدْقه، تمَّ أَراك إِيّاه فازددت يقينًا، ثم ذُقْت منه، فالأَوّل عِلْمُ يَقِين، والثاني عَيْنُ يَقِينٍ؛ والثالث حَقُّ يَقِين. فعِلْمُنا الآن بالجنَّة والنَّار عِلْمُ يَقينٍ، فإِذا أَزْلِفَتِ الجنَّة في المَوْقف وشاهَدَها الخلائِقُ، وبُرِّزت الجَحيم وعاينها الخلائِق، فذلك عَيْنُ اليَقين، فإِذا دخل أَهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأَهلُ النَّار النَّارَ فذلك هو حَق اليقين .... والحق إِنَّ هذه الدّرجة ـ أي حق اليقين ـ لا ينالها في هذا العالم إِلاَّ الرّسلُ صلوات الله وسلامه عليهم، فإِنَّ نبيّنا صلَّى الله منه رأى بعينه الجنَّة والنَّار، ومُوَسى عليه السّلام سَمعَ كلامَ الله إِليه بلا واسطة وكَلَّمة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت