فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 457

هذا إضافة إلى ما تتمتع به من انفتاح ليبرالي على الصعيد الثقافي، تمظهر في كثرة منتدياتها، وتعدد مسارحها وتنوعها، وشدة الاعتناء بها، إضافة إلى تعدد المشارب الثقافية فيها، كما سبق وألمعنا.

وما من شك في أن هذه الاستجابة الإيجابية لهذه المدينة، بصفاتها السالفة الذكر، يعني ابتغاء المزيد من التقدم والازدهار المعنوي، والرخاء المادي، الأمر الذي جعلها تحتل مكانة مرموقة بين عواصم العالم، إن لم نقل المكانة الأولى عصرئذ، ولذلك عُدَّتْ مسرحا لكل ما هو جديد وأثير على جميع الأصعدة، ومركزا للصراع الفكري والأدبي والفني بين المحافظين والمحدثين، وبؤرة لكل ما هو طلائعي جرئ في أو ربا كلّها.

ولكن هذه الصورة الحلمية المثالية الصافية، والمبهِجة كلها، لم تترك أثرا واضحا فيما تلاها من تيارات أو مدارس أدبية أو فكرية، الأمر الذي ترك المجال واسعا أمام النزعة البودليرية، المتشائمة كثيرا والمتفائلة قليلا. ونعتقد أن ذلك يرجع إلى سببين رئيسيين، أو لا: لأنّ تصويرها لهذه المدينة كان فيه الكثير من المبالغة، حيث كانت مثالية أكثر من اللازم، لكونها تقوقعت في برجها العاجي الأرستقراطي الأنتلجنسي، وأغفلت الجانب المأساوي فيها، وثانيا: لأن ما صوّره بودلير- على الرغم مما فيه هو الآخر من مبالغة- فيها، كان يتضمن الكثير من الحقيقة. ولذلك كان تأثيره أبلغ في غيره، سواء في مجايليه، أو فيمن لحقه، حتى وإن كان هذا التأثر عكسّي أحيانا.

لقد تأثر الشعراء المُحْدَثون في جل أصقاع أو ربا وأمريكا بنظرة بودلير إلى المدينة وموقفه منها، ولكن هذا التأثر كان يتأرجح ما بين الإيجابية والسلبية؛ أي ما بين موافقته والاختلاف معه، ومهما يكن من أمر هذا الموقف، فلن يكون في الأخير إلا ذا جذور بودليرية.

4-المدينة الصناعية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت