فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 457

فلقد كان هذا التعاطف هو أيضا شأن بودلير، على الرغم من تعاليه واحتقاره الظاهر، لكل تقارب، وتسميته (بالبغاء الأخوي) ؛ يتبدى هذا في حديثه"عن حمّام الجماعة كتجربة صوفية للمناولة" [1] وكرغبة حادة للاتحاد بالآخرين والتساوي معهم، ومشاركتهم بؤسهم وشقاءهم.

وويتمان في كل هذا يطمح إلى الابتعاد -قدر الإمكان- عن كل تقليد شعري سابق، محاولا ألا يتناول الوجود الإنساني في شكله الفردي، بل يريد تصوير التجربة الإنسانية بشموليتها وجميع تجلياتها، عن طريق تجسيده للقواسم المشتركة، ونقاط التقاطع لكل وجود إنساني في المدينة، وبذلك فهو"يقدم لمعاصريه (قصيدة المدينة) وهي المدينة التي تلتحم في حركتها الفوضوية ظاهريا بالحركة ذاتها بالحركة العالمية الخاصة بغرضها" [2] ولكنه لم يفلح في هذا الخروج عن التقاليد الشعرية السابقة، لأن هذا الخط، هو نفسه الذي كان بودلير قد ألزم به نفسه واتبعه، من حيث كونه يرى بأن الشعر ذوغرض إنساني سام، شامل، يهدف إلى معالجة الوجود الإنساني في جميع طبائعه.

وهناك شاعر آخر يعدّ امتدادا أمينا لبودلير وويتمان، وهو"فيرهاردن"حيث نلاحظ تطابقا غريبا بينه وبين سابقيْه في موقفه اتجاه المدينة العصرية، ولكن دون الذوبان الكلّي أو فقدان خصوصية التجربة الذاتية. فهويتبنى وجهات نظرهما لكن مع تصحيحها حسب ما يقتضيه منطق التطوّر، وحسب ما يمليه السياق التقدمي الذي يسير باتجاهه التاريخ.

(1) - م. ن، ص 218.

(2) - م. س، ص 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت