فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 457

ففي الأربعين سنة التي تفصل بين كتابة (أزهار الشر) و (نتف العشب في المدن ذات الأذرع المميتة) ، حدث تطور هائل، سواء في ناحية الانتظام العمراني وكثافته، أو في القيّم والمواقف والرؤى، فإذا كانت مدينة شعراء منتصف القرن، مدينة خاصة معلومة ومميزة، لها اسمها وصفاتها وتقاليدها المتجذّرة في الماضي، الممتدة في الحاضر، الملتحمة بالواقع، - بفضل طابعها المهني ووظيفتها الرمزية المكنونة، وما تمثله من نموذج أسمى يعد أفضل مكان للتعايش الإنساني وتحقيق الرغبات - فإن الأمر قد تغير كلية في نهاية القرن، حسبما يظهره، فيرهاردن بجلاء في (المدن ذات الأذرع المميتة) ، فالمدينة أصبحت غُفْلا من الاسم، مبهمة الملامح، متحللة من القيم، معتدية على العالم مفترسة إياه، تشع منها عناصر الغربة، ومظاهر الوحدة والهيبة والغم، ذات طابع نيروني، لا تقتصر عدائيتها على ذاتها فحسب، بل تمتد على البراري المحيطة بها والقرى المجاورة لها، لتحيلها إلى (براري موسومة) و (قرى وهمية) . إنها مدينة تلتفع بأقتم الألوان، وتقتل كل مظاهر البهجة، بل وكل ما يعطي للحياة الإنسانية حيويتها وقيمتها، فلا شيء أشد وطأة على النفس وأبعث على حزنها وغمّها، من رؤيتها لتلك المناظر الطبيعية الزاهية، تدلف نحوالذبول والانحسار والزوال، بسبب طغيان مادية المدينة، وبسبب الانتشار السريع لماكيناتها على حساب كل ما هو روحي ووجداني:

لأن هذه نهاية الحقول ونهاية الأمسيات

يدير الحداد في عمق السماوات كأحجار الرحى

شموسه السوداء

ويرقات تفقس لوحدها

في الأجناب المتفسخة للنساء الميتّات [1]

وكقوله أيضا:

هائلة ومجرمة

أذرع الماكينات الهائلة

وهي تحصد الأقماح الإنجيلية

قد أخافت الزارع الحزين

الذي كأن حركته تتفق مع السماء [2]

(1) - إدوارد غاييد: المدينة في شعر زماننا في (الإنسان والمدينة في العالم المعاصر) ص 224.

(2) - م. ن، ص 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت