فهرس الكتاب
هكذا اغتصَبت المدينة عذرية الطبيعة، وجعلتها مبتذلة مميته. واستعبدت الإنسان واستبدت به، فنزعت ماديتُها منه إنسانيتَه، وأشاعت في نفسه الرعب والغربة والارتباك، ولأن أدواتها ليست طيّعة، وليست امتدادا طبيعيا مألوفا للجسم البشري مثل الأدوات التقليدية المعهودة، لذلك فهي اصطناعية هائلة غريبة عنه، تقف منه موقف المهدِّد المرعب، المشوِّه لإنسانيته، الباعث على حنقه وغضبه:
إن أصابعهم المطواعة التي تتعقد
بألف أصبع معدني دقيق
تهترئ كثيرا في جهودهم
على المادة الآكلة للحم
حتى انهم يتركون عليها في كل لحظة
آثارا من الغيظ ونقطا من الدم [1]
ولكون فيرهاردن لا يخرج عن خط بودلير وويتمان، فانه يقابل بين المناظر الطبيعية وبين المدينة، ليبرز التناقض الحادث، وليجسّد ذلك الإيقاع العصبي، المتسارع الذي يميّز المدينة، وليصور منظرها الجحيمي، ويبين مدى البؤس والغصة التي تعاني منها الجماهير هناك، وهي تجري لاهثة محاولة التكيّف مع هذا السير المتسارع، وهذا النبض القلق:
آه هذه الجماهير هذه الجماهير
والبؤس والغصة اللذين يدوسانهما [2]
يتردد هذان البيتان عشر مرات في القصيدة، المر الذي يوحي بمدى حساسية الشاعر تجاههما، ومدى الدوار الذي يحل به"تجاه هذه الكومة غير المميزة من الأحياء" [3] الذين لا تربط بعضهم ببعض أية صلة، لذلك فالحب -الذي هو أسمى مظاهر الترابط الإنساني- يغدوعندهم مجردا من كل مضامينه، مفرَغا من كل محتوياته، فاقدا للميز الشخصي؛ يبدوهذا"من خلال لقاءٍ مجنون حيث يتضاجع لا كائنات حية بل كتل اللحم عديمة الشكل" [4] غير مميزة الملامح [5] .
والاصطدام الأسود للغصص المجسدة
ترقص وتقفز حتى الموت في الأزقة الصغيرة
وشيئا فشيئا يتزايد الهياج الجنسي
ويصبح الهيجان صاعقة
يسحق الناس بعضهم دون أن يروهم، باحثين
(1) - م.س، ص 224.
(2) - م.ن، ص 225.
(3) - م. ن، ص. ن.
(4) - م . ن، ص. ن.
(5) - م. ن، ص 225-226.