فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 457

ولكن مما يجدر ذكره، ويؤكد تبعية فيرهاردن لبودلير ومن بعده ويتمان هو أن هذا الموقف الهاجي للمدينة، والمناوئ لماديتها الطاغية، والرافض لحقيقتها الشيطانية المزيّفة، وتشوُهُ وجه الإنسانية فيها، يرافقه موقف آخر أكثر تألقا وحماسة وأملا، وهذا حين تغدوالمدينة كمركبة للخلاص وكهدف له"بسبب النسبة العالية من الإنسانية المكثفة فيها" [1] لتعود بذلك مطرحا لألوهية مبهمة، ذات أثر ساحر، وحسّ أو قياني تثيره تلك الأعمال العظيمة والعجيبة -العصية على الطبيعة - التي تتشكل في رحمها؛ بوصفها حلما إنسانيا باحثا عن اسم له، عامدا إلى تأسيس إنسانية مستقبل أفضل، محاولا تلمس اتجاهه الواضح، في ظل شرط وجودي، متعدد الاتجاهات، دائم التغيّر، ولذلك فأشعار فيرهاردن"جاءت لتعبر عن حاجة أساسية من حاجات عصره" [2] . المنشِد لاستقرار جدّي، الباحث -بلا كلل- عن أنظمة جديدة ومثيرة، وعن إنتعاشات مجدية لآمالها، التي لا يمكن أن تحققها تلك الدعوات السياسية والنظريات العلمية - مهما كانت جاهدة ومعقولة- التي كانت تُرفع هنا وهناك في وقته، ما لم يتدخل الشعر لتطعيمها برقّته، وإثارتها لسحره وألقه، وحلميته المتجاوزة للواقع، المؤسطرة له. تتدخل الأسطورة -شعريا- فتمتزج بالواقع لتحاوره، ومن ثم لتتجاوزه باتجاه تأسيس وجود إنساني أشمل وأفضل:

آه هذه بابل تحققت أخيرا

ومائة شعب انصهروا في المدينة المشتركة

وانصهرت اللغات في لغة واحدة

والمدينة كَيَدٍ مبسوطة الأصابع

تنقبض على الكون [3]

ولكنها أيضا في جانب آخر:

تبدو كالدابة المتفجرة من الضجيج

التي تصعد لترعب سكون النجوم

هكذا إذن تظل المدينة عند فيرهاردن تتأرجح في المابين، ما بين الارتفاع بها إلى درجة (التَأِلِيهْ) وبين الانحدار إلى حضيض الحيوانية، وهونفس الموقف المتناقض الذي رأيناه عند سابقيه (بودلير وويتمان) .

(1) - م. ن، ص 227.

(2) - م. ن، ص. ن

(3) - م. س، ص 227.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت