فهرس الكتاب
وربما يبلغ الهجاء المرّ والتهكم اللاذع ذروته. عند الشاعر الإنجليزي الكبير ت.س اليوت، صاحب الثقافة الواسعة، والرؤية النافذة، الواعية بتطور موقف الشعراء من المدينة عبر سيرورة التاريخ. فالتيمة الأساسية التي تتردد في شعره، هي ضياع الإنسان في صحراء المدينة الهائلة، المشعة للإحساس بالزوال والفناء، المضخمة للشعور بالوحدة والغربة. ترفد هذه الرؤية بوضوح قصيدته (الأرض الخراب) ، التي يلفظ من خلالها الشاعر و"بمرارة دعاء مدمرا على المدينة العصرية" [1] ، التي لا يوجد فيها سوى قطع الأثاث المهترئة، وأنابيب الغاز الصلدة، والفئران القارضة، وضجيج السيارات بدخانها المغبر للجو، والناس - لأشباح يطأون أرضها وينوؤون بحملهم الثقيل، وينفثون حسراتهم:.
...مدينة الوهم
تحت الضباب الأسمر من فجر شتائي
انساب جمهور على (جسر لندن) ، غفير
ما كنت احسب أن الموت، قد طوى مثل هذا الجمع
حسرات، قصيرة متقطعة، كانوا ينفثون،
وكل امرئ قد ثبت ناظريه أمام قدميه
انطلقوا صعدا ثم انحدروا في شارع (الملك وليم)
إلى حيث كنيسة القديسة (ماري وولنوث) تعدّ الساعات
بصوت قتيل آخر الدقة التاسعة.
هناك رأيت واحدا عرفته، فاستوقفته صائحا: (ستتسن!)
..."يا من كنت معي على السفائن في (ما يلي!) "
"تلك الجثة التي زرعتها السنة الماضية في حديقتك،"
"هل بدأت تورق؟ هل ستزهر هذه السنة؟"
"أم أن الصقيع المباغت قد أقضّ مضجعها؟.."
ونجد قبل المقطع السابق:
(مدام سوسوستريس، البصارة الشهيرة،
أصابها زكام شديد، ومع ذلك
... فهي معروفة كأحكم امرأة في أو ربا
لديها رزمة ورق خبيثة، إليكَ، قالت،
هذه ورقتك، الملاح الفينيقي الغريق،
(لؤلؤتين كانتا عيناه، انظر!)
هذه (بيلادونا) سيدة الصخور
... سيدة المواقف [2]
(1) - م. س، ص 234.
(2) - ت.س. اليوت: الأرض الخراب الشاعر والقصيدة، د/عبد الواحد لؤلؤة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980، ص 36-37