فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 457

ويسير في هذا الاتجاه الناقم على المدينة العصرية، كثير من الشعراء، أمثال: (جيان) الشاعر الإسباني، وفريديركوغارسيا لوركا، حين إقامته المؤقتة في نيويورك واكتشافه لجحيمها وعالمها المعادي للإنسانية" (عالم الأشياء اليابسة، والشوكة في العين، والهر الممطوط، وصدأ الحديد على الجسور الكثيرة) " [1] وكذلك هو الشأن بالنسبة للشعراء السود في الولايات المتحدة، فهم يبغضون المدينة ويعبرون عن عدائيتهم تجاهها، لأنها ليست مدينتهم، بل هي مدينة الآخرين الذين يستعبدونهم فلا حق لهم في امتلاكها أو التغني بها، إنها"الرمز الحي لصلفهم وظلمهم، (ولذلك) فتدميرها يحمل لهم وعدا بالخلاص الفوري" [2] ، من الاستعباد الذي يعانونه، والعنصرية التي يلاقونها.

إذن وعلى هذا الأساس، وفي سيادة هذه النغمة المتشائمة والنبرة المناوئة لها، وفي ظل هذه الأصوات المرتفعة بهجائها والمنبئة بالخراب التام الذي سيحل بها. فإن الموقف الثاني، أي الموقف الممجد لها يبدوصعب التحقيق، وعديم التأثير. ولكنه مع ذلك وجد عن طريق محاولة بعثها وتطبيعها-كما رأينا عند حركة التنويريين وكما فعل ويتمان من قبل- ومزج معطياتها المادية الجامدة بمعطيات طبيعية سحرية متحركة، يمكن أن تضفي عليها نوعا من القبول، وتشيع فيها قدرا من ألق الحياة ونبضها، كما هو الحال عند الشاعر (ليوبولد سنغور) ، المؤمن بالانبعاث العجيب للعالم الذي يعيش في هارلم: [3]

هارلم هارلم، هاك ما رأيت، هارلم هارلم

نسيم اخضر من القمح ينبت من بين البلاط المحروث

بأقدام الراقصين العارية

أرداف كأمواج الحرير وأثداء من حديد الرماح

تمثيليات راقصة من الأزهار البيضاء ومن الأقنعة الأسطورية

(1) - ينظر: إدوارد غاييد: المدينة في شعر زماننا (مرجع سابق) ، ص 235.

(2) - م. ن، ص 236.

(3) - م . س، ص 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت