فهرس الكتاب
وهناك فريق آخر من الشعراء لم يحددوا أي موقف من المدينة في أشعارهم؛ فلا هم يمجدونها ويسيرون بها اتجاه الخير، ولا هم يبغضونها ويسيرون بها في اتجاه الشرّ، بل كل ما في الأمر أنهم"يرونها وجها حيا ويغنونها في نوع من البراءة الأخلاقية" [1] فتصبح محاطة بالبرية، تطير فيها عصافير وافدة من الجنّة، فمدينة مثل جنة عدن، تتفتح شوارعها بطاقات الأزهار، وتنتشر منها روائح حضور النساء، طفلية، ووالدية، رشيقة، لدرجة أن الشاعر يستطيع أن (يمسك الشارع مثل كأس مترع بالنور السحري) ، أو أنها (المدينة المؤنثة على حدود الجسم البشري) كما يقول ايلوار، بل وأكثر من ذلك، أنها مدينة صغيرة على شكل بيضة طازجة (باريس الصافية كبيضة طازجة) ، نوافذ ميادينها كأقراص شرائح الليمون (إن نوافذ الميدان تشبه شرائح الليمون المدوّر سواء كان بشكلها المستدير المسمى فوهة المدفع أو بالأبخرة التي تفوح منها على الدوام والصادرة عن نساء نصف عاريات) [2] . كما يرى اندري بريتون بشهوة عارمة، ورقّة عالية، وبساطة مبدعة.
هكذا تصبح المدينة شيئا طازجا ولذيذا، قابلا للأكل، تفوح منه روائح أجساد نساء نصف عاريات، وتصبح أيضا مكانا جاهزا لتحقيق كل الرغبات والشهوات الممتعة؛ يظهر هذا عند الشعراء السورياليين، الذين يصلون بالتطبيع إلى أقصى درجاته.
5-بين تطبيعها والتبرّم منها:
(1) - م. ن، ص.ن
(2) - ينظر: إدوارد غاييد: المدينة في شعر زماننا (مرجع سابق) ، ص 243