فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 457

وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن مدينة المعسكر الشرقي، ممثلة في مدن الاتحاد السوفياتي -سابقا- والصين واليابان ويوغسلافيا وما والاها، عرفت هي الأخرى أيضا ألوانا من المواقف، تأرجحت، ما بين رفضها المطلق، ومن ثم انتقادها وهجائها وتعرية زيفها، وما بين تمجيدها ومصادقتها والانبهار بعظمة منجزاتها. يرفد هذا الموقف الأخير في روسيا -على سبيل المثال- الشاعر (فلادميرما ياكوفسكي) ، الذي يتغنى بمظاهر الحياة اليومية فيها، متطرقا في ذلك إلى أدق تفاصيلها، بما فيها حتى تلك العامية والسوقية منها. وفي وصفه أيضا لجسر (بروكلين) الذي يبدأه بالوصف متهكما لينقلب بعدها إلى موقف حماسي ممجّد للرغبات، المقدسة، القادرة على إعادة بناء عصرنا إلى ما هو أفضل...

أما الموقف المعادي لها فيتزعمه في الصين -"حيث تشكل الثقافة الأدبية تقليديا جزءا من مقومات رجل الدولة" [1] - الشاعر (وووانغ) ، حين وصفه لإحدى ناطحات السحاب، فيقول عنها3:

غول هائل مخيف

ينتصب متعجرفا في وسط المدينة

هيكله العظمي من الفولاذ ولحمه من الإسمنت

أسنانه الغرانيتية باردة وقاسية

تستطيع أن تسحق شمس الغروب الذهبية

هل تكون عيونه الشفافة والمصفوفة صفا حسنا

عيون (أرغوس [2] المنبعث من الموت

حينما يأتي الليل

هذه العيون البراقة تراقب المدينة بغيرة

أهي تخاف أن تؤوي المدينة كثيرا من المؤامرات

والأسرار؟

فكما نرى على الرغم من ميله الواضح إلى ذلك النوع من التطبيع الذي رأيناه عند فيرهاردن وعند جول رومان، وميله إلى ذلك التأليه الحركي، إلا أنه لا يخفي تبرمه الشديد من طغيان ماديتها الساحقة؟، المشوهة لمعالم جمال الطبيعة؛ حيث أنها (تستطيع أن تسحق شمس الغروب الذهبية) ، كما لا يُخفي الرعب المفزع الذي تثيره في نفسه.

(1) - 3- م . س، ص .231

(2) - أمير من أمراء اليونان القديمة تزعم الأساطير أن له مائة عين تبقى خمسون منها مفتحة دائما . م. ن- ص. ن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت