فهرس الكتاب
والنتيجة التي يمكننا أن نستخلصها في الأخير من هذه الأمثلة ومن كثير غيرها، هي أن الأصوات السائرة باتجاه المؤثر الإيجابي الممجد للمدينة والمادح لها، تبدوأقل تأثيرا وانتشارا وأعصى إقناعا، وأصعب تحقيقا بالنسبة للإنسان العصري، في ظل واقع يسير تياره حثيثا باتجاه معاداة كل ما هو روحي، وفي ظل استحالة تحقيق عملية تملّك الواقع لصالح الإنسان، ولذلك يبقى المجال مفتوحا وبقوة أمام المؤثر السلبي الباث لأشعار الشكوى والتبرم، بل والتمرد والرفض الخانق ليغدوشعراء هذا الموقف بذلك هم الأكثر تأثيرا في الناس، والأكثر انتشارا وإقناعا، وأيضا الأكثر تنويعا؛ فـ"كم هي مختلفة وشديدة الأصوات التي ترفع بجلد المدينة وهجائها، والتي تتنبأ لها أحيانا بخراب دام" [1] ؛ تؤكده لديها تلك الرؤية المأساوية -المتبناة- للوجود البشري، وذلك الشعور الحاد بالتشاؤم تجاه الوضع المتجهم الذي آل إليه أمر الإنسان في هذا العالم المعاصر، حتى غدت حياته عبارة عن حلقة متصلة من الفزع والرعب، وعبارة عن آلية روتينية مكروهة مملّة لا أثر للتجدد والانتعاش فيها.
وساعدها أيضا -أي هذه الأصوات الهاجية - على الانتشار، عمق رؤاها وشهاداتها الأمينة والصادقة عن الواقع، فكانت لذلك بمثابة الواحة الوارفة الظلال التي يهرع إليها الإنسان المعاصر، هربا من لفح هجير مدينته. وكانت بمثابة السند المساعد على التخفيف من وطأة الحياة وزرع أمل ضرورة المقاومة والاستمرار في العيش؛ لأن"كل شهادة صادقة مهما كانت يائسة، تحمل أيضا بوارد الأمل بمجرد أنها قيلت وسمعت، وبذلك تساعدنا على العيش" [2] ، في عالم مواز للواقع هو أفضل حتى ولوكان حلميًا أو وهميا. وتساعدنا على التسامي والتطهّر من أدران هذا العالم المتسخ، الغارق في أو حال قاذوراته.
(1) - م. س، ص 232.
(2) - م.ن، ص 232.