فهرس الكتاب
وباتت هذه المدرسة تنسج على منوال القدماء وتعارضهم، ولا تكاد تخرج عن إطارهم قيد أنملة؛ لا من حيث التشكيل اللغوي، ولا من حيث معمارية القصيدة وأوزانها الخليلية، ولا من حيث الأغراض-اللّهم إلا بعض القصائد التي كانت تحمل إرهاصات الشعر الوطني، والتي حاول فيها هؤلاء اصطناع الواقعية - فها هو ذا البارودي يريد أن يصف الطبيعة المصرية وحدائق مدنها، فلا يجد سوى أشعار القدماء نموذجا به يحتذي، دون إبداع أو تجديد. فالأرض قد لبست حلتها القشيبة، وأصبحت في زي يجلّ عن الوصف، أزهارها أقباس من نور كالمجرّة، ومياه جداولها في صفائها لجين، وهلمّ جرّا، ويريد أن يتطرق إلى مجالس الأنس ووصف الخمرة، فلا يخرج عن وصفه لمذاقها، وصفاء لونها، وتلألئها، والأدوات التي تُصبّ فيها، والطقوس التي تصاحبها، والساقي الجميل والنديم الخفيف الروح. ولذلك فهولا"يصف خمرة مصرية في القرن التاسع عشر، بل خمرة عباسية، ذلك أنها خمرة عتقت في دير كما كان الحال زمن التشدد في الرقابة على بيع الخمرة وشربها، وتسميته دهقان ينتمي إلى عصر غير عصر البارودي" [1] ، فخمرته صافية كالبلور، معتقة حتى لكأنها في قدم العالم، مصنوعة في دير، تخزن في الدنان، وتنقل خلسة في الزقاق، يبيعها دهقان ويتجالس حولها الندمان.
(1) - د/ خالدة سعيد: حركية الابداع: دراسات في الدب العربي الحديث، دار العودة، بيروت، ط1، 1979، ص 23.