فهرس الكتاب
ويصف المعارك التي تستخدم فيها المدافع، فلا يأتي لهذه الأخيرة بذكر بل أنه ليشير إلى السيوف والرماح، وما حققه أصحابها من طعان، فكان بذلك"كأنما يأخذ برأي أنصار القديم في العصر العباسي الذين كانوا يعيبون على الشاعر ذكر أشياء تنتمي إلى الحضارة، ويفترضون الاقتصار على ما تغنى به شعراء الجاهلية" [1] . أما من حيث الغزل، فمحبوبته عيونها كعيون المها أو بقر الوحش، وقدها كالخيزران، وثغرها لؤلؤ أو مرجان، ووجهها وشعرها كأنهما صبح وليل في عطف وتناسق يتجاوران، وفي المديح، الممدوحون أبطال صناديد، شجعان كالأسود، كرماء كالغيث، صبورون على المكاره، مدافعون عن الحياض بكل ما يملكون. وفي الفخر لا يخرج أيضا عن نهج القدماء، على الرغم من الفارق الزمني الشاسع، وعلى الرغم من التطوّر الحادث في آليات الحرب وخطط الظفر، والتغيّر النسبي في القيم. فنراه يفخر بالسيوف الصارمة، والخيول المطهّمة الأصيلة، والأعلام الحمراء المصطبغة بدماء الأعداء، والدالة على كثرة خوض المعارك والتتويج الدائم بالنصر، كما يفخر بعلوأعمدة الخيام كتكنية عن الوجاهة والسيادة بالرغم من أنه نشأ في قصر آل بارودي. فهوكما نرى يفتخر بالقيم العربية الأصيلة التي ترددت كثيرا في أشعار أسلافه، فهذه القيم وإن كانت لم تزل ذات أهمية لحد الآن، فإن البارودي لم يعمد إلى استلهامها وحسب، بل انه ليأخذها كما هي فـ"يتبنى إطارها وصيغة التعبير عنها. ولا يفخر بها كما تجلت في إطار عصره، بل في الإطار البدوي بكل عناصره" [2] مستعيرا -في مطلع القرن العشرين- أجواء وفضاءات وصيغ البيئة الجاهلية والعباسية دون إضافة أو تنويع، فهوينظر إلى كل ما حوله، سواء في ذلك الطبيعة أو غيرها، بعين تاريخية، وذاكرة تاريخية.
(1) - م. س، ص 23.
(2) - م. ن، ص 26