فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 457

وهكذا يظل أسير الزمن والمناخ التاريخي بكل تجلّياته وفي كل مناحيه، فكلماته القاموسية، المعروفة حمولتها الإبستمولوجية ودلالتها مسبقا، بسبب ذلك الكم التراكمي الذي عرفته عبر سيرورتها التاريخية-الشعرية-، هي التي كانت تفكر له، وتفخر وتتغزل وتصف بدلا منه، وهكذا لم يعد الشاعر سوى صدى للقديم، لا يغرد بصوته هو بل بأصوات مستعارة، ولا يعيش تجربته، بل تجربة محنّطة منذ زمن مضى، ولا يعبر عنها كما أحسّها في واقع أو اخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل أنه"كان يقرأها في الأشعار، لم يمنحها معنى خاصا به، لم يكتشف علاقة جديدة لها" [1] ، ولذلك جاءت تجاربه وأفكاره تكرارا آليا، ونسخا كليا لتجارب أسلافه، منقولة من هنا وهناك، ملتصقة التصاقا مصطنعا بالواقع، أو محاولة تصنع الواقعية عن طريق ذكر أسماء محلية لبعض الأماكن، ولكن هذا لم يفد لأن"الانتماء المكاني التاريخي الذي ميز عصر النهضة (كان) قد طغى على الانتماء المكاني" [2] المحلي وشكل غلالة صفيقة على العيون اتجاهه، وصرف الأنباه والعقول عن الاهتمام الجدي بالواقع الحقيقي، وأقام مسافة شاسعة بين حساسية الشاعر وقضايا عصره.

ولا يكاد شوقي وحافظ يخرجان عن هذا الخط المرسوم مسبّقا، وعن هذه القوالب الجاهزة سلفا، أو الكليشهات بحسب تعبير العقاد، إلا في مسرحيات الأول الشعرية في مرحلة متأخرة نسبيا، وفي وطنيات الثاني التي حاول فيها معالجة الواقع .

(1) - م. س، ص 31

(2) - م. ن، ص. ن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت