فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 457

فالذين يهاجمون الريف ويعذلون أهله، إنما صدر موقفهم هذا عن جهلهم بمزايا الريف وحسناته، ولذلك فها هو الشاعر يعرفهم به، ويدعوهم إلى زيارته لمعاينة نفائسه، فإضافة إلى رماله الذهبية، ومناظر رياضه الرائقة بشذاها العطر،وطيب نسيمها ونقائه، وجمال صبحه وليله، وتوشية سهوله وهضابه بأسراب الوحش والطير، الراعية لأطيب الشجر، والتي تشكل منظرا، لا يبقي حزنا في قلب رائيه ولا ضجرا ولا سآمة في نفسه. إضافة إلى هذا كله فبيوت البادية"ما بها لطخ من الوضير"و"ترابها المسك بل أنقي وجاد بها/ صوت الغنائم بالآصال والبكر"والخيام فيها تلقى"وقد صفت بها، فغدت / مثل السماء زهت بالأنجم الزهر". وهوفي هذا لا يتوانى عن تدعيم آرائه بما قاله الأقدمون من أقوال يصدقها -بحسب زعمه- النقل والعقل، متيقنا من سلامة آرائهم، وسداد أحكامهم:

قال الأولى قد قضوا قولا نصدقه

نقل وعقل، وما للحق من عير:

"الحسن يظهر في بيتين رونقه"

بيت من الشِعر أو بيت من الشَعر""

ووسائل النقل في الريف طبيعية، تضمن السلامة والأمن لراكبيها، وتحفظ لهم حياتهم ؛ فهي سفن برية، وهذا عكس سفن البحر الرامزة للمدينة ومخترعاتها، والتي هي خطر على ركابها:

سفائن البر، بل أنجى لراكبها

سفائن البحر كم فيها من الخطر.

والريفيون كرماء، وبيوتهم مفتوحة دوما للضيوف حتى وإن كانوا بالليل طارقين، والدليل على ذلك إيقادهم النيران ليلا ليهتدي إليهم الجائع والمسافر:

بيت نار القرى تبدولطارقنافيها المداواة من جوع ومن خصر

كما أنهم أباة النفوس شجعان، لا يتحملون الضيم ولا يظلمون، وإن ظلموا فعدوهم"ما له ملجأ ولا وزر"لأن لهم"عاديات السبق والظفر"والتي شرابها من حليب ما يخالطه/ماء وليس حليب النوق كالبقر أي كحليب البقر الذي يضاف إليه الماء لقبض أضعاف ثمنه الحقيقي، بالزيادة في حجمه كما هو الحال في المدن. وخلاصة القول أنه:

ما في البداوة من عيب تذم به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت