فهرس الكتاب
إلا المروءة والإحسان بالبدر
1@فوق نهر مثل اللجين المذاب ... هذا فضلا عن أن"صحة الجسم فيها غير خافية"أما العيب والداء كله فهو"مقصور على الحضر"ولذلك ترى أهل الريف أطول خلق الله أعمارا، وأصحهم أجساما، وأبعدهم عن الأمراض، لبعدهم عن اصطناعيات المدينة وغشها وضوضائها، واتساخ دروبها وتلوث هو ائها، وما شابه ذلك.
لقد نشأ الأمير عبد القادر في الريف وترعرع في ربوعه، فتغلغل حبه في وجدانه، وعلق بنفسه، وخاض تجربة قاسية في المدينة، يعاني النفي والإقامة الجبرية والبعد عن الوطن والأهل، ويعيش الغربة بكل معانيها، ولذلك فموقفه هذا على الرغم من تعميمه على جميع المدن وعلى كل أهل الحضر لا يكون نابعا إلا من موقف سياسي، ولا يكون صادرا إلا عن قناعة سياسية، على اعتبار أنه عانى تجارب مريرة في المدينة الفرنسية حيث النفي والحبس والتغريب كما أشرنا، وعلى اعتبار أن المدن الجزائرية - إن أخذنا بالتعميم - كانت آنذاك حكرا على المستعمرين ومن والاهم من العملاء، فهي مدينة الآخرين ولومؤقتا حتى يتسنى تحريرها، أو على الأقل إنها المكان الذي فقد عذريته بسبب اغتصاب المستعمرين له وتدنيسهم إياه، فبات لذلك مكانا ممقوتا كريها، مقترنا في ذهنية الريفي بسبب السلبية حينا، وبالعدائية أحيانا، لأنه يحوي كل ما هو مبتذل ووضيع كالاستسلام والخيانة والغدر والتقتيل وغيرها. فهي وكر الغزاة المغتصبين ومن والاهم من العملاء الخائنين، بعكس الريف الذي يمثل مهد الأصالة والكرم، بل مهد الشهم والإباء العربي، ومنطلق الثورات المظفرة.
إذن، فباستثناء هذا الموقف الواضح من المدينة - الذي لم نجد له مثيلا في عهده - فإن بقية المواقف، هذا إن نحن سلمنا بأنها مواقف - لا تعدوأن تكون ضربا من الشعر السياسي الساذج الخائض في الخلافات الحزبية، ولا تعدوأن تكون ضربا من الانبهار والاندهاش أمام عظمة مخترعات المدينة كالغواصات والطائرات.