فهرس الكتاب
يصف شوقي الطائرة بقصيدة عام1932 [1] ، ويصفها حافظ [2] في نفس السنة ويصفها مطران أيضا، وهم حتى في وصفهم لهذه المخترعات العجيبة، لا يستطيعون التخلص من صدفة الماضي، ولا يستطيعون اختراق الفضاءات التراثية أو تجاوز بلاغتها. فنرى شوقي مثلا يشبهها بالشيء المدهش العجيب الذي نِصْفه طير ونِصْفه بشر، يخيف الشجعان قبل الجبناء، مسرّج ملجم على أهبة الاستعداد في كل حين، جميل المنظر كالطاووس، ريشه فولاذ، وجناحه مصقول كجناح النحل، يظهر ويختفي كحوت ترامت به الأمواج، دخانه من بعيد كوكبا، وإذا ما انطلق فهوسهم ذومضاء، تعجبت منه الغربان والحداء. ويشبهها حافظ في نزولها بأنثى العقاب التي تهوى على الهزار، ويشبهها مطران بالفرس المجنح الذي يسموشوامخ الجبال، ويطأ السحب مزمجرا كالرعد، أو كأزيز الجان، يتلاشى كل شيء من أمام ناظريك حين صعودك فيها إلى الفضاء، فلا العمران ولا المناجم ولا الحيوانات بقت كما عهدناها في أثناء وجودنا على الأرض، الكل أصبح عبارة عن مزيج من الأشعة والدخان.
وإذا ما نحن حاولنا الإصرار على تلمس موقف جدي ووجيه من المدينة لدى شعراء حركة البعث هذه، فإننا لا نجد سوى إشارات عابرة، أو ملاحظات تسجيلية عامة. فالبارودي لم يشغله من القاهرة كمدينة كبرى -والتي قضى فيها جل حياته- سوى الأماكن المترفة فيها، ورياضها المترعة"روضة المقياس"و"حلوان"و"الجيزة"، وغيرها من الضواحي التي غناها بلغة رصينة ذات منظور جمالي عباسي، لا أثر لروح العصر فيه، نلاحظ هذا بجلاء في وصفه"لروضة المقياس"حين يقول: [3]
حيث تجري السفين مستبقات
(1) - راجع القصيدة في ص 1-4، ج2 (الشوقيات، ص 514)
(2) - القصيدة غير منشورة في الديوان، راجع: محمد عبد المنعم: دراسات في الدب المعاصر، مكتبة الكليات الزهرية، القاهرة، د ت- ص 130.
(3) - ديوان البارودي، ضبط وشرح على الجارم، محمد شفيق معروف، ج1، ص 40