فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 457

1@سلختكم عن قلبها المدن ... ولكن بعد البارودي وشوقي وحافظ ومن شايعهم، ممن يعدون طلائع المدرسة الكلاسيكية الإحيائية ودعائمها في أدبنا العربي الحديث، ومع مطلع القرن العشرين وبروز معطيات التكنولوجيا الغربية، واحتلالها مساحة غير قليلة في جسد المجتمعات العربية وتمركزها -بصفة خاصة- في مدنها، وأحداث الحربين العالميين اللتين عرفتها الساحة العالمية، وما حبلت الساحة العربية من حروب محلية، حدث تطور كبير في الموقف والرؤية، َتمثل في الانتقال"إزاء الطبيعة من السلفية والمكان التاريخي مع شعراء النهضة، إلى الطبيعة المثالية مع شعراء المهجر، والطبيعة الذاتية مع شعراء ما بين الحربين اللذين سموا بالرومانطقيين" [1] ، وتزامنت هذه المرحلة مع بروز الشعر السياسي المطالب بالحرية والداعي إلى مناهضة الاستعمار وعملاءه، والشعر الوطني النابع من نزعات وطنية، والشعر الاجتماعي المتناول بالوصف والتحليل لقضايا المجتمع ومشكلاته؛ تلك القضايا والمشاكل التي برزت نتيجة شيوع المظاهر المدنية وتعقد الحياة نسبيا وظهور الطبقية وما شاكلها، بالإضافة إلى تلك الخيبات المتتالية التي عرفتها عشرينات هذا القرن، حيث انتهت جل الثورات العربية إلى الفشل الذريع، وفقد مناخ الاعتداد بالأمجاد العربية -الذي كان مرتكز شعراء الانبعاث- معناه، وكبلت الحيرات الشخصية والعامة. كل هذا ساعد على إحداث قفزة نوعية شكلت"مفصلا انتقاليا مهما بين الانتماء التاريخي والانتماء إلى المكان بأبعاده الحاضرة" [2] ، كما ساعد أيضا على إحداث ثورة أساسية في عقل الكاتب العربي ونفسه. تمخضت هذه الثورة عن بروز عدة اتجاهات أو مدارس أدبية متزامنة أو متلاحقة.

(1) - خالدة سعيد: حركية الإبداع، ص 29.

(2) - م.س، ص 29

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت