فهرس الكتاب
لكنها تصب كلها في مجرى واحد، وتهدف إلى غاية واحدة، وهي مهاجمة الواقع بقصد إصلاحه، وشيوع نغمه الضيق بضغط المدينة والتبرم من واقعها، والحنين الجارف إلى بساطة الريف وهدوئه، ونشدان عوالم خيالية بعيدة عن ضجيج المدينة وضوضائها.
2-هجاء المدينة والتمرّد عليها:
على الرغم من أن"الأمر لم يتطور عندنا إلى وضع مطابق لما يحصل في أو ربا، لعدة أسباب منها أن الفاصل بين الريف والمدينة في بلادنا ما زال أقل جدية عما هو عليه في أو ربا وأمريكا، ومنها أننا لم نتحول إلى مجتمعات صناعية بمعني الكلمة" [1] ، إلا أن التمرد على المدينة يصبح حاصلا، وتبرز عدة أصوات منها تلك التي طحنتها المآسي، وعانت مرارة الواقع المديني و"طفقت تنشد المراثي للعالم، وترتل أنغام الحزن ونشأ عندها مركب نقص فحواه أنّ العالم فاسد وأن الواقع مرير لا يمكن إصلاحه" [2] وأن الحياة مهزلة أو مأساة، فراحت تندب العالم، وتدوي الأرض عويلا وأنينا، وتنفث من نفوسها على العالم سخطا رهيبا، وهؤلاء هم الواقعيون، وظهرت جماعة أخرى أكسبتها المآسي حنكة وخبرة، وزادتها حبا للحياة وتمسكا بها، فغدت نظرتها إلى المستقبل - على الرغم من مأساوية الواقع - متفائلة، ومضت تحاول إصلاح ما تحطم من هذا الواقع، وتخفف من حدة مرارته، وتجدد ما أصاب أجزاءه من البلى، فاستطاع الشعر العربي أن يخرج على يدها و"لأول مرة في تاريخه الطويل ينشق عبير الحرية، ويحطم أغلال الوحدة على مسرح الحياة ليصور آلامها ومآسيها وليعبر عن مشاعر الجموع المتلهفة إلى حياة سعيدة، ومجتمع تظله الحرية والعدل" [3] والمساواة.
(1) - إلياس سحاب: المدينة الملوثة والمدينة المشوهة، ص 14-15، المصباح- العدد 4، 12/09/1980، بيروت.
(2) - د/ محمد عبد المنعم خفاجي (مرجع سابق) ، ص 342
(3) - م. ن، ص، 343.