فهرس الكتاب
كما برزت جماعة أخرى أيضا، جانبت الواقع وتمردت على قيمه ومعاييره محلقة في أجواء الخيال والحلم، متخذة شعارا لها هو العودة إلى الطبيعة، حيث الطهر والنقاء وحيث الطفولة والبراءة، أو العودة إلى الغاب كما يعبر المهجريون [1] ، حيث الحرية والثورة، والاحتجاج والتصوف، والسموعن كثافة مادية العالم ومفارقاته، والاحتماء بالليل، ففي الليل تنعدم وتتلاشى الملامح المميزة، وتزول الفروق وتتوحد الأشياء، وتنام بين أحضان سرمدية الكون هادئة.
وهنا يبرز جبران خليل جبران، الذي عاش محن الحرب العالمية، وعاش زمن التحولات، وخبر بوادر اليقظة العربية، وأحس بالخطى المتسارعة التي يسير بها عصره،"وكان شاهدا عل عالم يبتعد بلا رجعة عن الحضارة الزراعية وأوثانها القديمة، نحوالقيم الحضارة الصناعية وآلهة"الجوع الغريب"واجتياحها الضاري للطبيعة" [2] ، فأطلق صرخة مدوية احتجاجا على تغيير معالم الطبيعة وتآكلها، وتجاسرت هذه الصيحة متعالية بحسّ امتداديّ حلمي لا نهائي، من أجل حمايتها من براثن المدينة.هذه المدينة التي يجب أن تهدم ويعاد بناؤها من جديد، لتلائم النفس البشرية الخيرّة ولتوفر لها حريتها، حرية الفكر والعقيدة والسياسة وغيرها. فكان"حس الامتداد هذا" (عند جبران كما عند الرومنطقيين والصوفيين) من عوامل نقد المدينة وإيثار الطبيعة حيث لا يناقض الليل النهار، حيث لا جدران ولا توقيت ولا تقنين، حيث تتساكن الأطراف في بيت واحد" [3] في هدوء ووئام ودون مزاحمة أو مناكبة، ودون رسميات أو تعقيدات."
(1) - تجدر الإشارة هنا إلى أن"جماعة الديوان"لم تشغل بالهم المدينة أو الحياة فيها، بقدر ما كانت تشغلهم عوالمهم النفسية ودواخلهم الوجدانية
(2) - د/ خالدة سعيد، (مرجع سابق) ، ص 37.
(3) - م. ن، ص، 38.