فهرس الكتاب
اندفع جبران إلى الثورة على العالم، والمناداة بهدم هياكل الفساد-كما في كتابه (العواصف) الذي يمثل ذروة العنف عنده- فيه، نتيجة الكآبة والخيبة والظلم الاجتماعي الذي ميز مدينة عصره، فعدلُ الناس (ثلج إن رأته الشمس ذاب) ، ورجال الدين (استغلوا الشيطان وبه اتجّروا) وباعدوا بين الصليب والهلال أمام عين الله. ثار على السياسة وعلى التقليد وعلى كل مالا تتقبله نفسه الحرة الثائرة، هدَم كلّ ما كان يراه غير صالح، ليعاود البناء في كتابه (النبي) ، بناء مجتمع مؤسس كله على المحبة والعطاء والأمل، دون القبول بالوسطية في الأمور، لأنه كان راديكاليا متطرّفا في مواقفه غريبا ومجدّدا في رؤاه، فكان بذلك إنسان الأحلام الكبيرة، لكنه أيضا إنسان الأحزان الكبيرة، لقد كان طوفانا صغيرا"غسل أمام الذين جاءوا بعده عفن الدروب والتواريخ والأشياء والكلمات" [1] ، وفتح في الشعر مجالا آخر لغير الضحك واللّهو والبكاء، ولغير التصنع، مجالا أتاح بدوره للشاعر أن يشده بشوق إلى معرفة الأسرار، وأن يبدع شكلا جديدا لما يحيط به، في بهاء الحرية وسلطانها الكامل" [2] مدفوعا في ذلك بشوق عارم وحلم بعيد، وتعطش كبير إلى الانعتاق من عالم المادة، والتحرر وتغيير الحياة إلى الأفضل، وإشاعة النَفَس النبوي والجمالي في كل ما يحيط بها من قيم، ومدفوعا أيضا بالطموح المتعالي المنشد لتجاوز الذات، المنجذب نحوالارتباط بالكل عبر الاندماج بالطبيعة، فكانت بذلك طبيعته مكانية ونفسية في آن معا."
(1) - أدونيس (علي أحمد سعيد) : مقدمة للشعر العربي، ص 83.
(2) - م. ن، ص 84.