فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 457

والاتجاه نفسه يظهر عند شعراء لبنان الآخرين من ذوي النزعة الرومنطيقية، حيث تشكل الطبيعة لديهم الحيز الكبير الذي يرتاحون إليه، ويرتعون في أحضانه الحرة الطليقة بعيدا عن قيود الناس ودجلهم وحسدهم ونفاقهم، وذلك لأن الطبيعة صنوالطهارة والبراءة والصدق. فلقد"كان الكلاسيكي يألف المدن ويحب المجتمعات، فكان مثال المدني، إذا حزّ به أمر أو اعترته نازلة رأيناه في دأبه مع صحبه وأهله وأتباعه يعزونه أو يعاونونه أو يشيرون عليه. وهذا مألوف في القصص والمسرحيات الكلاسيكية، وقلّ من كان يصف منهم الريف أو يضيق بالمدينة، وحتى هؤلاء سرعان ما كانوا يعودون إلى المدن إذا ضاقوا بها بعض الوقت وهذا فارق جوهري بينهم وبين الرومنتيكيين؛ فقد كان هؤلاء منطوين على ذات أنفسهم ضائقين ذرعا بما تضطرب به المجتمعات من حولهم فولعوا بترك المدن إلى الطبيعة، وكانت تروقهم الوحدة بين أحضانها ليخلوا إلى ذات أنفسهم" [1] . ولذلك برزت الدعوة صريحة إلى ترك المدن والعودة إلى القرية، على نحوما نرى عند الأخطل الصغير:

عودوا إلى تلك القرى فلقد

الذكريات على مفاسدها

الأم والأخوات والسكن

فالقرية ببساطتها وخلوها من التعقد كانت ملهما ومصدر وحي لجموع الشعراء، فانبروا لتصويرها، ووصف محتوياتها، وألفة ناسها، ولطافة أجوائها، ونقاء هو ائها؛ فحقولها وكرومها كانت المسرح الأثير لدى الشاعر الرومنطقي، حيث الانطلاق والحرية والحبور الدائم، المضمخ بالعطر والأنوار والأنغام، كما يتجلى في قول يوسف غضوب:

وللطيب والنور في كرمنا

عجائب في كرمنا نبتكر

إذا النور مر بأعنابه

توطن ياقوتها واستقر [2]

(1) - محمد غنيمي هلال:"الرومانيكية"، ص 133-134

(2) - يوسف غضوب:"الأبواب المغلقة"لا.ط، مكتبة البستاني، بيروت 1947،ص 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت