فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 457

فالصحراء وحياتها -كما هو معروف تاريخيا - موضوع غير جديد في شعرنا العربي، فقد عالجه شاعرنا العربي منذ القدم. والشاعر الجزائري العربي الذي نشأ في الصحراء وترعرع في ربوعها، وتمتع بنسائمها، ثم تركها مضطرا لسبب من الأسباب ليلحق بحياة المدن، ظلّ وفيا لحياة الصحراء، يبثها شوقه وحنينه، ويتمنى العودة إليها والارتماء في أحضانها من جديد، مبينا في ذلك ضجره من حياة المدن، مبرزا مساوئها، منافحا عن الصحراء، واقفا في وجه من يعيبها ويرميها بالجدب من سكان الحضر، لأن فيها من الجمال ما يبهر العين ويخلب اللب، ولكن من يحس به ويتذوقه قليل، هذا فضلا عن القيمة الدينية التي تشرفت بها، فهي مهد النبوة، والأرض التي شب بها الرسول (ص) وانطلق منها نور الهدى يتفجر. هذا ما نراه عند أحمد سحنون في قصيدته"الصحراء"ومنها الأبيات التالية: [1]

أصحراء أنت الكون بل أنت أكبر

وصفوا على الأيام لا يتكدر ... بل أنت دنيا من هناء وغبطة

وحر غدت نيرانه تستعر ... وإن قيل: في الصحراء جدب ووحشة

ولكن قليل من بمعناه يشعر ... ففيها جلال يبهر العين شخصه

ومن أُفقها انبث الهدى ينفجر ... وفي أرضها شب الرسول محمد

وحقك من سكنى المدائن أضجر ... أصحراء ضمّيني إليك فإنني

أنا ابنك قد لُقِنت حبك ناشئا

وإن على ذا الحب لا أتغير

ويتقابل هذا الحنين الجارف إلى ربوع الصحراء والعيش فيها مع الضجر والتبرم من حياة المدن -كما أسلفنا- لأنها لا تتضمن سوى كل ما هو مذموم منكر، ومخالف لما نشأ عليه الشاعر من خلالٍ وقيمٍ سامية:

وإنْ سَكَنَ الناسُ المدائن إنني

لجأت إلى سكني بحضنيك يؤثر

رأيت بها ما يستذم وينكر ... وكيف أرى سكن المدائن بعدما

وبُغضٌ على كل الجباه مسطر ... نفاق على كل الوجوه مخيم

وفوضى على رغم ادعاء حضارة

بها لم تدع شيئا يُحَبُ ويقدر [2]

(1) - أنظر القصيدة في الديوان، ص 30-31 (ديوان أحمد سحنون، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1980) .

(2) - م. س، ص: ن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت