فهرس الكتاب
ومن هذه المذمومات والمنكرات التي جعلت الشاعر يفضل الحياة في أحضان الصحراء، ويهجر المدن: فضلا عن النفاق والبغض والفوضى المتفشية تلك المناظر المزعجة والمشمئزة التي كانت تحدث في شطآنها، وذلك السيل من الفضائح التي كانت تقع عليه عينه في كل حين، فيغدوالقلب من جراء ذلك أسيانا والعين دامعة، هذا ما نراه عند محمد العيد آل خليفة في قوله يخاطب البحر قائلا: [1]
على الشواطئ سيل
من الفضائح أزرى
كلاهما فيك مُعرى ... تلقى الفتاة فتاها
ويسمعانك هجرا ... يكاشفانك فحشا
فالقلب من ذاك آس
والعين من ذاك عبرى
هذا ويقف محمد الأخضر السائحي مشدوها أمام عالم الصحراء الساحر الرحب، ذي الجمال الطبيعي الفتان، والطهر والصفاء الرائق فيقول: [2]
كُثب أنت؟ أم سنا وضياء
ورمال؟ أم فتنة ورواء
أم عناء مرجع وحداء ... وسكون مخيم ووجوم
أم هضاب على الثرى شماء ... بساط ممهد من حرير
الله أم أنت يا رمال سماء ... لست أدري أ أنت أرض دحاك
هاهنا كلها بدت في رمال
وهضاب ماجت بها البيداء
يتغنى الشاعر بالطبيعة الساحرة في الصحراء، ويقف متسائلا حيرانا أمام جمالها الخلاب بل أنه ليتصورها إنسانا أو بالأحرى امرأة يحاورها ويتغزل بجلاء حسنها الطبيعي الخالي من التصنع والتنميق والتنسيق، ويود بأشواق عارمة الارتماء في أحضانها اللامتناهية: [3]
وأنا الشاعر الذي يعشق الحسن
ولا تستخفه الأسماء
لم تنمقه صنعة وطلاء ... ويراه لدى الطبيعة صرفا
لا غموض، لا دقة، لا خفاء ... كل معنى للحسن فيها جلى
وكأن السكون فيها عناء... ... فكأن السكون فيها حراك
لا تود النفوس لوتحتويها
وهي أفق -لا ينتهي- وفضاء.
(1) - محمد العيد آل خليفة: الديوان، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، مطبعة البعث، قسنطينة 1967- ص 64
(2) - همسات وصرخات، ط: دار الطليعة بيروت 1965، ص 89.
(3) - م. ن، ص . ن.