فهرس الكتاب
وهكذا يحاول الشاعر أن يقول لنا في قصيدته أن الطبيعة هي المكان الأمثل للحياة وأن الارتماء في أحضانها هو الاتحاد الكلي بالأشياء وهوعمق الحياة، فهناك الانعتاق والحرية، وهناك السرمدية واللانهائية، وهناك التحليق برشاقة في شفافية أفاقها الرحبة، حيث الأشياء طبيعية بكر، ميزتها الوضوح والمكاشفة، فلا الصنعة تزيفها ولا الطلاء يخفيها كما هو الحال في دنيا الناس وواقع العالم ونهاره.
ولعل الشاعر على يقين تام ووعي أكيد بما أصاب النفوس من جدب وقحط وما حلّ بها من بؤس وشر وعداء، ولذلك نراه يناشد الربيع الخلاص، ويطلب منه أن يزرع المحبة والرخاء ويسكب السلام والخير والإخاء في الحنايا وفي الأنفس لا في الثرى والكثبان، فالأنفس أكثر حاجة وأشد تعطشا إليها: [1]
فامش في الكون بالرخا وبالخير
وسر بالسلام في أركانه
وآسر بالخصب في الحنايا، وفي الأنفس
لا في الثرى وفي كثبانه
ويصف أحمد سحنون الربيع لا ليتغنى بروعة بهائه وجمال محياه، بل ليجسد ذلك البؤس الاجتماعي وذلك الشقاء الذي كانت تعانيه النفوس في فصل الشتاء، وذلك الموت الذي كان يداهم الفقراء والأيتام وهم طريحوالثرى لا يجدون من يأويهم أو يسد رمقهم، فيكون حلول الربيع بالنسبة لهم بشرى ومنجاة ومخلصا بنشره الرخاء والهناء: [2]
قد تجلى لنا محيا الربيع
رافلا في ثياب حسن بديع
مسرع الخطى في الرجوع ... وتولى الشتاء يعثر في أذياله
وأداة للفتك والترويع ... كان للبائسين سوط عذاب
ويتيم على الطريق صريع ... كم طريح على الثرى مات جوعا
لم يذوقوا في الليل طعم الهجوع ... لم يذوقوا طعم الهناء نهارا
وثلوج تأتي بأثر صقيع ... زمهرير يفري الجلود مذيب
مذ أطلت عليه شمس الربيع ... ذاك جيش الشتاء ولّى كسيرا
لمغُزى في كل سحر ولوع... ... وتجلت في كون دنيا من السحر
(1) - انظر القصيدة في المرجع نفسه، ص 43-44
(2) - أحمد سحنون: الديوان، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1980، ص 48-49